قبل بدء العام الدراسي في 31 أغسطس بأربعة أيام، أصدرت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال تقريرا حول الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الأطفال في فلسطين. وقد رصد التقرير، عددا كبيرا من هذه الانتهاكات خص خمسة منها بتفصيلات مذهلة، تتعلق بحقوق الحياة والصحة والتعليم والمستوى المعيشي الملائم والحرية. وفي اطار انتهاك حق التعليم أشار التقرير الى قيام الجيش الاسرائيلي بالاعتداء المتعمد على وزارة التربية والتعليم في رام الله مرتين منذ بداية اجتياح مناطق السلطة في 29مارس الماضي. وأثناء هذه الاعتداءات الآثمة صادر المحتلون شبكة الحاسوب المركزية وفجروا الخزانة المركزية ودمروا محتوياتها، وأتلفوا الملفات والوثائق وسرقوا أجهزة الكمبيوتر والفيديو والأشرطة الالكترونية ذات الصلة بالمناهج الدراسية. ونفهم من التقرير أن اعادة فتح المدارس والمعاهد في الضفة وغزة ليست سوى عملية صورية رمزية. لأن «زهاء 600 ألف تلميذ لن يتمكنوا من الوصول الى مقاعدهم الدراسية بسبب حالات منع التجوال والتقييدات والحصارات المفروضة على التنقل والحركة».. وهناك أسباب اضافية تجعل استئناف الالتحاق بالدراسة من الأصل في حكم المستحيل بالنسبة لشرائح معينة من الأطفال.. منها مثلا وقوع 500 طفل وصبي دون الثامنة عشرة في عداد المعتقلين.. وفقدان عنصر الأمن والطمأنينة وانتشار قوات الاحتلال في كل مكان. والثابت أن الاجتياحات الاسرائيلية المتوالية للمناطق الفلسطينية، وعمليات القصف والتدمير المستمرة، قد أفضت الى تدمير جانب كبير من البنى والمرافق التعليمية من مدارس ومعاهد ودور حضانة. ثم ان القوات الغازية اتخذت من بعض هذه المرافق مراكز تجمعات لها داخل المدن والقرى. الأمر الذي أدى الى تكدس الطلاب والتلاميذ في أماكن بديلة، تفتقر للمستلزمات التعليمية. على أن هناك ما هو أدعى لإثارة الأسى والغضب في هذا السياق. وهو انتشار الفقر في أرجاء الضفة وغزة على نحو غير مسبوق. حتى أن آلاف الأسر لا تجد قوت يومها في ظل بطالة عائليها أو غيابهم بالسجن أو الاستشهاد أو نتيجة الاعاقة المزمنة.. فمن أين لهذه الأسر والحال كذلك أن تتولى الانفاق على تعليم الأبناء؟ تحت ضغط البؤس الاقتصادي وشدة العوز والفاقة، اضطر ألوف الأطفال في الضفة وغزة الى اقتحام سوق العمل، الرخيص والمزري والذي تحف ببعض مجالاته الأخطار.. بعض هؤلاء الأطفال تخلى عن طفولته مبكرا وخاض عالم الكبار ومسئولياتهم متطوعا، بعد أن استشعر عجز الآباء عن الحركة أو العمل بفعل القمع وسياسات التجميع الاسرائيلية. وبعضهم سبق الى هذا العالم مدفوعا بمطالب الأسرة الملحة لعمل شئ ما من أجل مقاومة الموت جوعا!. ومهما كانت الدوافع والأسباب، فإن النتيجة تبقى واحدة بالنسبة لمسار العملية التعليمية، ألا وهي الانقطاع عن التعليم في سن حرجة. ومن ثم زيادة معدل الأمية لمن هم في طور التعليم الالزامي، بكل التداعيات السلبية المحتملة على حياة المجتمع الفلسطيني في الحاضر والمستقبل. وفي تقديرنا أن المؤسسة الصهيونية الحاكمة في اسرائيل تعمد الى اعاقة الشعب الفلسطيني تعليميا وعلميا، وهي أسعد الناس بالوضع المأساوي الراهن على هذين الصعيدين المتكاملين. ألم يقل قادتها يوما انهم بحاجة الى الفلسطينيين كحطابين وسقائين وخدم وعمالة سوداء؟! لقد جاء حين من الدهر، مثل فيه التعليم قيمة عليا على أجندة اهتمامات الشعب الفلسطيني في سياق ظروف أشد ضراوة من التي تحيط به في المرحلة الراهنة، كان التعليم هو رأس مال هذا الشعب بعد أن فقد بقية عناصر الانتاج الاقتصادي، الأرض والموارد والتنظيم والمال.. وتمكنت نسبة مرتفعة من أبناء الفلسطينيين من تحصيل قدر معتبر من الدرجات التعليمية، مقارنة بالمعدلات المعروفة في معظم بلاد العالم الثالث والجنوب.. وعلى أكتاف هذه النخبة وبفضل جهودها أعاد الفلسطينيون تنظيم أنفسهم وعرضوا قضيتهم بشكل فاق توقعات التحالف الاستعماري الصهيوني، الذي نبذهم ذات حين في العراء والتيه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. ولابد أن الأمة العربية تفخر بأداء هذه النخبة، التي تجاوز دورها النهضوي دائرتها الفلسطينية الى الدائرة العربية ذاتها في مناح كثيرة، ذلك أن عزم الفلسطينيين وتصميمهم على اتيان ما تصور الصهاينة أنه مستحيل، يمثل لثقافة امتهم وقدرتها النضالية الراقية. تعليم أبناء فلسطين يتعرض الآن لمحنة شديدة، فينظر كل منا في مداخل انتشالهم منها. وأضعف الايمان في هذا السبيل أن تتذكر كل أسرة عربية تستعد لاستقبال عام دراسي جديد لأبنائها، أن لهم أخوة في فلسطين المكافحة يتحرقون الى كل عون يساعدهم على تعليم أولادهم. ـكاتب فلسطيني