التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية الدولية تشبه كثبان الرمال المتحركة، ما أن تتجه يمينا حتى تعيدها الرياح يسارا، والعكس صحيح أيضا، وفي هذا ليس هناك مقدس أو دائم، ومن يؤمن بديمومة التحالفات في مجال السياسة الدولية بلا شك إما انه مصاب بقصر النظر أو أنه أحادي التفكير لا يرى ابعد من الأرض التي تقف عليها قدماه، لأن هذه التحالفات تقوم على مصالح محددة، ما ان تتغير تلك المصالح حتى تتغير التحالفات التي قامت عليها، من هنا ليس غريبا أن نرى حلفاء الأمس أعداء اليوم أو الغد، أو على أقل تقدير يتحول حلفاء اليوم إلى متفرجين محايدين في الغد، لا لشيء إلا لأن مصالحهم التي يدافعون عنها اليوم تغيرت وأصبح من الواجب معه تغيير مواقفهم. من شهد عن قرب التحولات التي جرت في السياسة الخارجية الأوروبية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي يمكنه أن يرى هذا بوضوح، فالبيان الصادر عن الاجتماع المشترك لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بمدينة بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي السياسية بعد أسبوع واحد من يوم الدمار العظيم الذي حل بنيويورك وواشنطن كان قاطعا، وحاسما في إعلان موقف أوروبي موحد مساند للولايات المتحدة في اتخاذ ما تراه مناسبا ضد كل من تعتقد انهم مسئولون عن ذلك الدمار الذي اعتبره البيان موجها للحضارة الغربية كلها. لكن ما كان للمراقب أن يصدق أنه بعد أقل من عام واحد تحول هذا البيان ليصبح مثل البيانات الصادرة عن اجتماعات القمم التي يعقدها ما بين حين وآخر زعماء ينتمون إلى دول العالم الثالث، يلتقون بالعناق الحار وينتهون ببيانات نارية تؤكد على أن كل شئ في علاقاتهم الثنائية والثلاثية أو الجماعية على خير ما يرام، وما أن يصل كل منهم إلى عاصمته التي يمارس من خلالها سلطته حتى ينسى ما وقع عليه، بل أن بعضهم ينسى حتى قبل أن يصعد إلى طائرته لمغادرة الاجتماع، وربما يدلي بتصريحات تنقض ما تم الاتفاق عليه قبل أن يجف مداد التوقيع. إلا أن بيان اجتماع بروكسيل قبل ما يقرب من عام يختلف عن بيانات قمم العالم الثالث في أنه صمد لبعض الوقت، وأن زعماء أوروبا لم ينقضوا توقيعاتهم عليه بطريقة زعماء العالم الثالث، بل جاء تخليهم عن ما تم الاتفاق عليه نتيجة مباشرة لما صدر عن الرئيس جورج دبليو بوش الذي قرر أن يتعامل مع الحكومات الأوروبية لا أنها شريكة للولايات المتحدة ولكن باعتبارها تابعة لامبراطورية غربية كبرى عاصمتها واشنطن، وفي هذه الحالة على كل عاصمة أوروبية أن تقبل ما يصدر إليها من العاصمة الإمبراطورية دون نقاش. يبدو أن ساكن البيت الأبيض كان ولا يزال مقتنعاً بهذه الرؤية، منذ اللحظات الأولى التي أعلن فيها شعاره الإنجيلي: «من ليس معنا فهو ضدنا»، لم ينتبه أو لم يخطر على باله أن الأحزاب الحاكمة في أوروبا الغربية وصلت إلى سدة الحكم تحت شعارات ديمقراطية فيها أكثر من اللونين الأبيض والأسود اللذين تحتويهما عبارة «من ليس معي فهو ضدي»، ويفوز في الممارسة الديمقراطية من يجمع أكبر عدد من الألوان تحت راية واحدة، لأن المجتمعات فيها اتجاهات تجمع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بكل درجات الألوان والاشكال، ولا يمكن التعامل مع المعارض على انه عدو أو حتى مساند للعدو، انه الخطيئة الكبرى التي وقع فيها جورج دبليو بوش نتيجة افتقاده الخبرة السياسية، واستسلامه الكامل لضغوط من أوصلوه إلى البيت الأبيض: شركات البترول والطاقة ومصانع وشركات الأسلحة، وغيرهم من التجمعات التي سكنت البيت الأبيض قبل أن يصل هو إليه. يبقى السؤال: ماذا حدث منذ التاسع عشر من سبتمبر الماضي حتى يتحول الحلفاء الأوروبيون ويتحفظون على سياسة البيت الأبيض؟. خلال هذه الأشهر القليلة ارتكب جورج دبليو بوش وفريق العمل المحيط به العديد من الحماقات التي كانت نتيجتها نفور جماهير الشارع الأوروبي، وبالتالي رجال السياسة والحكم في أوروبا، وحتى أكثر السياسيين وفاء للسياسة الأميركية اصبحوا يخفتون أصواتهم عند إعلانهم لتأييد هذه السياسة خوفا من يوم الغد الذي تأتي فيه الانتخابات فيفقدون ثقة رجل الشارع بسبب حماقة وقصر نظر من يخططون لسياسة البيت الأبيض. أول تلك الحماقات إعلان حرب عالمية ضد عدو غير محدد الملامح، أطلقوا عليه اسم «الإرهاب» دون أن يحددوا ماهيته، أو يحددوا زمنا أو مكانا معينا لبدء ونهاية تلك الحرب مما أصاب الجماهير الأوروبية بالذعر من التورط في مغامرات عسكرية اعتاد الجيش الأميركي على القيام بها من وقت لآخر، ولا يخرج منها حتى يتمرغ في أوحالها كما حدث في فيتنام، أو يدعم أنظمة دكتاتورية معادية لشعوبها كما حدث في العديد من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، لا يتركها إلا بعد تركيز عداء شعوبها ضد كل ما هو أميركي. من ناحية أخرى، تسببت الحرب الأميركية المطلقة ضد الإرهاب بشكله المطلق في إحداث أزمة ثقة بين حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين نتيجة اختيار جورج بوش لبعض الزعماء الأوروبيين ودعوتهم لزيارة البيت الأبيض خلال الأيام الأولى التي أعقبت أحداث الثلاثاء الدامي، كما حدث مع توني بلير وجاك شيراك أو شرويدر، فيما تهرب أو استبعد من هذه الحفاوة سياسيون حاولوا منذ اللحظات الأولى تقديم فروض الولاء والطاعة مثل رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار. أعقب ذلك اتخاذ قرار الهجوم على أفغانستان بشكل منفرد، وللتمويه تم إشراك قوات بريطانية باعتبارها الحليف الأكثر قربا من قلب واشنطن، فيما تم تكليف الجيوش الأوروبية الأخرى بالقيام بأعمال هامشية في تلك الحرب. هذا التوجه التفريقي بين حلفاء واشنطن خلق أزمة «هوية» بين الدول التسعة عشرة الأعضاء في حلف الاطلنطي، خاصة بعد أن أعلن جورج دبليو بوش منفردا ما اسماه «محور الشر»، وضم إليه العراق وإيران وكوريا الشمالية، ثم سرعان ما قام بتوسيع دائرة هذا المحور بضم سورية وليبيا إليه دون أن يقدم لحلفائه دليلا واحدا على وجود علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين تلك الدول وبين من قاموا بتنفيذ الهجمات الرهيبة في نيويورك وواشنطن. هذا التفريق بين الحلفاء، ورفع بعضهم درجات وخفض البعض الآخر درجات، وضع حكومات الحلفاء في موقف حرج أمام شعوبها، وبدأت استطلاعات الرأي تؤكد انحسار التأييد الشعبي للسياسات التي تصب في تأييد السياسات الأميركية بشكل مطلق، وأصبح المحللون السياسيون يبرزون إلى أي مدى يمكن أن تؤثر تلك السياسات القائمة على المغامرة العسكرية على مصالح الحلفاء الحيوية بالسلب. على الرغم من إعلان الحكومات الأوروبية استعدادها بشكل جماعي المشاركة في البحث والتقصي لمعرفة هوية من قاموا بضرب برجي مبنى التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن، وقامت بعض تلك الحكومات بالفعل بإلقاء القبض على العشرات من المشتبه فيهم، والسماح لرجال المخابرات الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي بالتحقيق معهم، وتسليم بعضهم إلى الولايات المتحدة بشرط عدم تطبيق عقوبة الإعدام عليهم، إلا أن حكومة الرئيس جورج دبليو بوش بدأت تلتف حول هذا الإجماع وتحاول عقد اتفاقات ثنائية مع بعض الحكومات الأوروبية مما خلق نوعا من الإحساس بان واشنطن تفضل التعامل الثنائي مع حلفائها بدلا من الاتفاق الجماعي فتكون النتيجة إحساسا بعدم الثقة المتبادل. ثم جاء رفض حكومة الولايات المتحدة للمصادقة على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ضربة للثقة المتبادلة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين الذين يعتبرون أن قيام هذه المحكمة جاء تتويجا لجهود مضنية بذلها الأوروبيون طوال عقود، بل أن واشنطن هددت بسحب قواتها العاملة في البوسنة ما لم تحصل على تعهدات بحصانة خاصة لأفراد قواتها حتى لا يحاكموا أمام تلك المحكمة. هذا التهديد الأخير كان له رد فعل سلبي في الشارع الأوروبي، وانعكس بالتالي سلبا على الأحزاب السياسية التي تخشى قبول الطلب الأميركي بالحصانة المطلقة، مما يعتبر تمييزا لهم عن غيرهم من القوات الأوروبية وغير الأوروبية العاملة في مناطق ملتهبة. ثم جاءت مشكلة العراق لتفتح هوة أوسع في العلاقات الأوروبية الأميركية، في حين ترى واشنطن أن مسألة إسقاط الرئيس صدام حسين بالقوة العسكرية مسألة عاجلة ويجب حسمها بالقوة العسكرية دون الحصول على تفويض من الأمم المتحدة، فان معظم زعماء أوروبا يرون أن استخدام القوة لقلب نظام الحكم في دولة ذات سيادة يعتبر مناقضا لشعارات الديمقراطية التي يتباهون بها، ولو حدث يمكن أن يشيع الفوضى في العالم، ويفتح الطريق أمام تدخلات عسكرية في مناطق أخرى. وترى الحكومات الأوروبية أن تمسك جورج بوش بمغامرته العسكرية المزمعة في العراق لا تخدم مصالح عامة تخص الجميع، بل تخدم مصالح بوش الخاصة ومصالح المستشارين المحيطين به، لأن كل المبررات التي قدمتها واشنطن حتى الآن لا تستند على دليل مادي واحد يؤكد امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي تبرر حربا في منطقة الشرق الأوسط، يمكن أن تمتد لأشهر طويلة مما سيكون له تأثيره على أسعار البترول في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأوروبي من الركود. ثم يأتي إحساس أوروبا بالمهانة من الرفض الدائم من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون لكل المبادرات التي تقدم بها المجلس الأوروبي لحل المشكلة المتفجرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو على أقل تقدير لتهدئتها، ويعرفون أن رفض شارون نابع من الدعم المطلق الذي يحصل عليه من البيت الأبيض، بغض النظر عن تأثيره السلبي على المصالح الأوروبية في المنطقة العربية. مناخ الشقاق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حقيقة لا تقبل الشك، لكن مسألة اتساع الشقة أو تضييقها يخضع لعوامل متغيرة، فما يرفضه أعضاء الاتحاد الأوروبي اليوم قد يقبلونه غدا، من هنا تأتي المهمة العاجلة التي تقع على عاتق الحكومات العربية التي يجب عليها التحرك بسرعة باتجاه دعم المواقف الأوروبية الرافضة للمغامرات العسكرية الأميركية، وهذه فرصة ذهبية لا يجب تركها تمر، خاصة أن الاتحاد الأوروبي على استعداد لمواصلة رفضه للسياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومساندته لحل سياسي للمسألة العراقية لو فهم أن مصالحه في المنطقة العربية مرهونة باستمرار هذا الموقف، أما إذا تبين له أن الولايات المتحدة ماضية في تنفيذ خططها بتغيير خريطة المنطقة العربية دون معارضة عربية إيجابية وفعالة، فإن دول الاتحاد الأوروبي ستجد نفسها مضطرة إلى قبول مغامرات بوش حتى لا تحرم من أي ثمار اقتصادية يمكن أن تنتج عنها تلك المغامرات. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com