يبحث العديد من الاعلاميين عن وصفة سريعة لعلاج مختلف الظواهر الاجتماعية عن طريق استخدام المسكنات والحقن المخدرة، موفرين على انفسهم عناء البحث في اعماق الظاهرة، وتقديم الصورة الكاملة التي غابت عن الحضور خلف ركام النتائج المعقدة والسلبية التي شغل اطراف الظاهرة بها!! والوقوف امام الطرح الجزئي لقضايا اجتماعية وتربوية هو لون قديم برع فيه عدد من المشتغلين والمشتغلات بالكتابة الصحفية المتصلة بموضوعات اجتماعية وتربوية. ومن خلال استقبالي لطائفة من المكالمات الهاتفية او لما وصلني عبر الفاكس من تحقيقات تتعلق بقضايا الاسرة، ويطلب مني المشاركة في الاجابة عن الاسئلة التي تحتويها، تكون لدي انطباع شخصي حول ضرورة استدراك القصور الموضوعي في مثل هذه المعالجات. واول هذه الملاحظات هو ان هذه التحقيقات لا ترقى في العديد من الحالات الى ان تكون تحقيقات شاملة بالمعنى الحرفي للكلمة. حيث تكتفي المعالجة الصحفية بالوقوف امام بعض الظواهر السلوكية والسلبية وتقديمها على انها جوهر المشكلة التي يتولاها التحقيق بينما هي لا تعدو ان تكون اثراً من جملة آثار لأسباب تقف خلفها، وتغذيها وتصل بها الى مرحلة التأزم والاختناق التي يعتقد من يتصدى لكتابة التحقيق انها هي نقطة الصراع، وعقدة العقد المحزنة!! وفي هذا التناول السطحي خلط للمسائل الحياتية، والقضايا العائلية لا يحتمل التجاهل او الصمت، بعد ان اصبح لونا فاقعاً شديد الوضوح في المعالجة الصحفية التي تلبس ثوب البحث عن حلول سريعة لمشاكل مؤقتة لا تعدو ان تكون زوبعة في فنجان، بينما الريح والاعاصير تضرب في كيان الاسرة من مكان آخر!! والأمثلة على ذلك عديدة، واسوقها من خلال ما وصل اليّ من اسئلة تتعلق بهذا الجانب، واكتشفت وجود فجوة واسعة بين عنوان التحقيق والجزئيات التي يحتويها بما يسبب فجوة ذهنية لدى القارئ الذي لا يناله من ذلك العمل سوى المرور بين جملة من المحاور ليس بينها رابط موضوعي، ولا يجمعها تسلسل منطقي يكشف زوايا المشكلة المعروضة امام القراء!! ومن الامثلة والشواهد الدالة على ذلك تخصيص موضوع يتحدث عن استحواذ رب الاسرة على اداة (الريموت كونترول) ليقوم بتوجيهه نحو المحطة التلفازية التي يريد وقد تركز الحديث حول مدى النجاح الذي يمكن ان يتحقق لذلك الاب الذي يريد ان يمنع ابناءه وبناته من رؤية المشاهد المخلة التي تعرض على الشاشة التلفازية. كان ردي لتلك الصحفية بأن هذا التصرف دليل الافلاس التربوي، والفشل الابوي في تنظيم العلاقة بين الابناء والتلفاز على نحو مأمون، يضمن للأب هدوء الاعصاب، لكونه بدا شخصاً مرتبكاً خائفاً ليس لديه ثقة بأبنائه في ان يحسنوا الاختيار في مشاهدة ما يعرض على الشاشة. ثم اضفت قائلة: لقد تأخر هذا الاب اكثر من عشرين عاماً كاملة على ما يسمى بالتربية الوقائية التي تبدأ مع السنوات المبكرة الاولى من عمر الطفل!! ومن الامثلة التي تؤكد هذا الرأي، ذلك التحقيق الذي يتناول موضوع السفر في الاجازات الصيفية، واتجاهات الاسرة المختلفة حول قرار البقاء معاً او الانفصال في فترة الاجازة. ثم ماذا لو شعرت المرأة ان زوجها يريد السفر الى الخارج لاهداف غير بريئة، هل تقوم باخفاء جواز السفر لتمنعه من تحقيق مآربه الفاسدة ام تصمت ام ماذا تفعل؟ وكان جوابي بأنه ليست هناك اي علاقة بين موضوع الاجازة الصيفية، والخيانة الزوجية. فالخيانة يمكن ان تحدث في اي وقت، وتحت اي ظرف، وليس الصيف هو الوقت الوحيد الذي يوظف لهذا الهدف. ثم وجدت نفسي وأنا ألوم النظرة القاصرة بينما اتهيأ للاجابة عن عنصر اخفاء جواز السفر الذي بدا لي تصرفاً ساذجاً وبدائياً ولا يستطيع الا ان يشعل مزيداً من الحرائق في البيوت حين يكتشف الزوج الذي يتهيأ للسفر ان جوازه مقبوض عليه من قبل الزوجة. ولست ارى اي حكمة في منع الرجل من الانحراف عبر هذه الوسيلة التي تنم عن قلة حيلة المرأة، وانتفاء القدرة لديها على المعالجة الصحيحة لهذا السلوك غير الاخلاقي الذي يصدر من الرجل. ان المطلوب هو تقويم سلوك رب الاسرة وليس ترقيع سلوكه، واذا كان الترقيع في الثوب لا يجدي زمناً طويلاً، فكيف يمكن ان نتصور ان الترقيع في السلوك يمكن ان يكون له اثر ونتيجة مرضية ولان الحديث ذو شجون فإني أوثر اكماله في الغد بإذن الله.