في البدء ـ ومن أثر صدمة الفقد والفراق ـ كانت الآه، وكانت الدموع واللوعة.. ثم كان لابد للحقيقة ان تتجلى، ولسنة الكون ان يعلو صوتها بأن الزهور تمضي، ولكن يبقى الشذا والعبير، وصدق شوقي في حكمته: دقات قلب المرء قائلة له ان الحياة دقائق وثوان فاحفظ لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للانسان عمر ثان وهكذا قضى الصديق الحبيب الشاعر حمد بوشهاب وآبت روحه راضية مرضية إلى رحاب ربها، وأوى جسده إلى ثرى وطنه، ولكن بقي ويبقى شذاه وعبيره، يفعم صدور محبيه وواردي نهله الصافي العذب، على مر الزمان.. مضى عمره الأول المحدود، وبقي ويبقى عمره الثاني غير المحدود، منارة هادية، ورمزاً ملهما للأصالة والوفاء والعصامية والكرامة والتزام المثقف وسخاء العطاء. كان بوشهاب ـ رحمه الله ـ موهبة فطرية أصيلة، صقلها وأثراها بأن راح يعب ويرتشف من عيون التراث العربي الزاخر، قديمه وحديثه، وكان نبعه الاثير الذي فتن به ـ وله الحق ـ هو المتنبي، الذي كان يراه «جامعة تمشي على الأرض.. وكان عبقري زمانه.. معتزاً فخوراً بنفسه». وقد بلغ تأثره به ان قال في حوار بيننا: «لو لم أتأثر بالمتنبي ما دعوتني بصفة الشاعر». على ان الرافد الاعظم لفكر بوشهاب وفنه، كان الزمان والمكان اللذان نشأ فيهما، وتفاعل مع حركة الحياة والهموم والاحداث فيهما، فهو منذ البكور لم يرتض لنفسه ـ مثل كثير من الشعراء في مختلف الاماكن والازمنة ـ الانكفاء على همومه الذاتية كالشكوى والحب أو الوقوف بساحة المدائح الآمنة المريحة، وإنما حلق في تلك المجالات، وجدد فيها وأجاد، ثم انطلق إلى آفاق قضايا الأمة، يحدوه وعي نهضوي قومي وإسلامي مستنير ويحثه قلب يكابد بصدق ويغار باخلاص وبتحمس بإيمان، ويبدع بحرارة. وباختصار، كان بوشهاب ابناً وفياً من أبناء ذلك الجيل العربي الاماراتي الرائد، الذي تفتح وعيه على هدير المد القومي العارم، في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، وتفاعل معه، وصار رمزاً بارزاً من رموزه، وصوتاً واضحاً من أصواته، يحدو زحفه المقدس، ويستنهض الهمم من اجل اعادة بناء حياته بالحرية والتقدم والوحدة: أنا للعروبة أينما وجدت أخ يسعى لعزتها بكل فخار شعب الاباء اتاك دورك فاضطلع بالعبء واخلع عنك ثوب العار اقدم ففي الاقدام عزة موطن فالنصر للثوار للأحرار وهكذا انطلق بوشهاب في معترك القضايا القومية، من قضية اللغة العربية وغربتها بين أبنائها، إلى قضية قضايا الأمة، فلسطين والقدس، التي كم نزف قلبه من أجلها وكم ثار غاضباً ناعياً على الأمة وقادتها فرقتهم وخمود ارادتهم داعياً الضمائر إلى يقظة، تستحيي قيم العروبة الاصيلة من نخوة وبطولة ومروءة، لاستعادة الحق المغتصب والكرامة المهدرة. برئت من العروبة ان رضيتم بهذا الواقع المر الأليم ذلك لأن ما يراه من ملامح الوجوه والسلوك في ربوع الاوطان العربية لا يمت للعروبة الحقيقية الأصيلة بصلة. ان العروبة نخوة وبطولة بل عفة ومروءة وذمار هنا اذكر باكبار محبة بوشهاب ورؤيته المفعمة بالاجلال للزعيم جمال عبدالناصر الذي مجده في حياته ثم بكاه حين فجعت الأمة بفقده. في حياة عبدالناصر 1963 شدا بوشهاب شدو المحبين فقال: مع النسيم العليل الهادئ الساري أهدي إليك تحياتي وأشعاري يا قائد العرب في أقسى معاركها أنت الزعيم وأنت الضيغم الضاري فلو تجدست الأمجاد في رجل لكنت أنت بلا شك وانكار منذ الخلافة لم تنجب عروبتنا كناصر مثلا أعلى لأحرار وفي فجيعة وفاته سنة 1970 أنشد بحزن المؤمن: يا أمة فجعت بفقد زعيمها وقوى الضلال لسلبها تتجمع جرحت فجيعتك الضمائر كلها فكأنها في كل قلب مبضع كذلك أذكر باكبار وداع بوشهاب للقائد العربي الشهيد عبدالمنعم رياض، الذي استشهد بين جنده في خندق على الجبهة في مواجهة العدو سنة 1969: تقدم والمنايا ماثلات ببذل النفس وهي أعز شيا يعزيني بأنك عشت شهما وكنت بكل مكرمة حريا وأنك مت لا ما مت إلا شهيداً لم يزل في الخلد حيا يفيض عليك ربك من لدنه رضى ونعيم جنات هنيا لئن فرح اليهود بقتل ليث ففي الآجام آسادتهيا والحق، لقد حلق بوشهاب في كل آفاق الشعر، ولم يدع فنا من أفنانه الجميلة إلا حط عليه وشدا، وربما اشتهر عند بعض الناس ما هدهد قلوبهم من غنائه الرقيق للحب والصبابة. وربما اشتهر عند آخرين ما أنشده من مدائح بديعة كانت في جوهرها تمجيداً للفضائل النبيلة والعطاء المخلص في خدمة الوطن والعروبة والاسلام. وربما اشتهر عند غير هؤلاء جهده الخارق الذي جمع به كنوز التراث الشعبي وحققه وشرحه ونشره، ولكن تبقى قومياته واسلامياته، هي التتويج الرائع المجيد لكل عطائه وهي بطاقة هويته الأصيلة، كابن وفي للزمان والمكان والهموم والآمال التي في ظلالها نبت وترعرع وأبدع حتى الرمق الأخير.