هناك فرق واضح وشاسع بين جورج بوش «الأب» الذي حكم اميركا في نهاية الثمانينيات لفترة رئاسة واحدة انتهت بالرسوب امام منافسه كلينتون في انتخابات نوفمبر 1992. وجورج بوش «الابن» الذي يحكم اميركا الآن ويخشى ـ منذ وصوله الى البيت الابيض! الرسوب سواء في امتحانات الدور الاول التي ستجرى في اوائل نوفمبر المقبل «المتمثلة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس وبعض حكام الولايات».. أو امتحانات الدور الثاني الحاسمة التي ستجري بعد عامين! الأب.. وهذه كلمة حق كان اكثر حنكة في الحفاظ على المصالح الاميركية بصرف النظر عن اتفاقنا او اختلافنا مع ادارته.. وعندما اختار مساعديه، كان حريصا على التخفيف من حدة «الريجانية» اليمينية المحافظة والتي كان ساعدها الايمن عندما اختاره الرئيس الاسبق العجوز رونالد ريجان ـ 90 سنة ـ نائباً له. بوش الأب.. كان بقدر الامكان يسعى الى تحقيق التوازن في ادارته، اختار شخصية متميزة لادارة الشئون الخارجية.. ولم تكن تلك الشخصية مهزوزة بل صارمة وحاسمة.. ألا وهي شخصية جيمس بيكر الذي ظهر كرجل قوى في ادارة بوش ـ خاصة خلال الازمات ـ ولم يكن ديك تشيني وزير الدفاع وقتها يتجاوز حدوده «بعكس ما هو عليه الآن.. وهو في منصب نائب الرئيس»! كان بوش الأب ومعه بيكر.. لا يترددان في اغضاب اقرب الاحبة الى قلب اميركا.. ألا وهي اسرائيل اذا تجاوزت حدودها وحاولت النيل من المصالح الاميركية. يكفي موقف واحد يؤكد ذلك.. فقد اتخذ بوش موقفاً حاسماً من اسرائيل عندما حاول السفاح العتيق اسحق شامير رئيس الوزراء في ذلك الوقت ـ التوسع في الاستيطان اليهودي بالاراضي المحتلة، وقرر بوش الأب وقتها تجميد ما سمي بضمانات قروض مخصصة لاسرائيل وقيمتها عشرة مليارات دولار. بل ان جيمس بيكر وزير خارجيته حينذاك، لم يتردد في توبيخ الاسرائيليين وقال لهم في غضب: «نحن هنا في واشنطن نسدد الثمن ونرغب في تنفيذ ما تمليه مصالحنا». هكذا كانت ادارة «الأب» حاسمة عند الضرورة حتى ولو اقتضى الامر ايقاف اسرائيل عند حدها. ولكن بوش الابن.. لا يعيش في جلباب ابيه ولا حتى يستشيره كما تقول «لورا» زوجة الابن.. وبالتأكيد ليس هذا عصياناً رغم ما لدى الأب من خبرة.. ولكنه خنوع، فالابن ـ كما هو واضح بصفة يومية من الاحداث ـ خاضع تماماً لصقور الادارة الاميركية الذين وصفهم المناضل الافريقي الكبير نلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا السابق بالديناصورات. واختار مانديلا هذا التعبير لشراستها ووحشيتها الى درجة انه قال انها لا تريد ان تكون الادارة الاميركية جزءاً من العالم المتحضر! واستثنى من هؤلاء الديناصورات كولن باول وزير الخارجية الذي قد يكون الرصيد من الحمائم داخل ادارة بوش وبالطبع من السهل ان تفترسه الديناصورات!