أشك أنك تذكر أنني تحدثت اليك ذات يوم في هذا المكان عن اللواء الباجوري الذي كان مديرا لأمن القاهرة في فترة من أخطر الفترات تبدأ من بعد قيام ثورة يوليو الى نهاية عام 1945. وشكي يأتي من أن ذاكرتنا أصبحت ضعيفة، وأنا على سبيل المثال أقرأ الكثير، ويتوه مني ما قرأته. وليس لدي الوقت لأنتقي ما أريده، وأصنفه. وبالطبع لم أدخل الى عالم التكنولوجيا المتقدمة. ولذلك امتلأ البيت بالأوراق التي تحتاج الى نظرة ثانية وهذا ما أنتج صراعات مع سيدة المنزل. ولكن هذه الصراعات ليست خطيرة، فلقد أصبحت مدربا عليها. المهم أن الأوراق زادت الى حد أنه أصبح من المستحيل العثور على شيء منها دون جهد جهيد. وأذكرك أنني قابلت اللواء الباجوري في وقت مبكر، وقرأت مذكراته التي اعتقد أنها لم تنشر. وكان قد تجنب أي حديث في السياسة رغم أنه كان بطل أحداث متعددة من بينها أزمة اختطاف الجندي ريجون من على ضفاف القناة، ومن بينها أزمة مارس الشهيرة. وشُغل الباجوري في مذكراته بالحوادث العادية، ورأيت آنئذ أنه قلب الموازين، وأن مذكراته بهذه الطريقة لا قيمة لها. وليس هذا موضوعنا الآن، إنما أتحدث عنه لأنه قال لي أن أكثر القضايا التي مرت عليه خلال مدة عمله الطويلة صعوبة هي قضية مقتل عمدة كان عائدا من المدينة مع أخيه وبعض أتباعه، وأطلق عليه مجهول الرصاص فسقط من على حماره قتيلا في التو. قال الباجوري ان سبب صعوبة القضية أتت من صعوبة ايجاد متهم. وصعوبة ايجاد متهم أتت من صعوبة اختيار شخص من المشتبه فيهم. كانت أزمة القضية - هكذا قال - أنه لا يوجد مستفيد من اغتيال العمدة. وحتى من وجّه لهم الاتهام اثبتوا أنهم في مكان آخر. قال لي: تضل طريقك اذا استخدمت ذكاءك وحده. فلا أحد يقتل أحدا في هذه الدنيا إلا لفائدة. قد تكون هذه الفائدة مادية، وقد تكون معنوية، وقد تكون مجرد إشفاء غل قديم. ولم يكن أمام صاحبنا، وكان ما زال ضابطا صغيرا، إلا أن يفكر في أن الحادث مجرد اطلاق رصاص من باب الخطأ. وفي النهاية ثبت أن هذا ما كان. كان القاتل هو ابن القتيل! وكان على خلاف شديد مع عمه. وعرف أنه سيعود من المدينة ليلا فانتظره وسط حقول الذرة، وما أن رآه عائدا راكبا حماره حتى أطلق عليه النار. ولم يعرف أن أباه صحبه في رحلة العودة. ولم يعرف أن عمه عرض على أخيه أن يركب الحمار بدلا منه. وتكون النتيجة أن القاتل بدلا من أن يوجه رصاصه الى عمه، وجهه الى أبيه! هذه القضية أتذكرها كثيرا لما فيها من عبر تستحق التأمل. وطبعا أهم ما فيها هنا أن لا أحد يقتل أحدا دون سبب وفائدة. ليس هناك من يتعامل مع القتل على أساس الفن للفن أو المتعة للمتعة. ولذلك كان أول سؤال في 11 سبتمبر: من يستفيد من هذا؟ وسارعت الولايات المتحدة باتهام اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وطالبان. ودخل القاموس الدولي ألفاظ جديدة لأول مرة مثل المشتبه الأول. فلقد أعلنت الولايات المتحدة الحرب على المشتبه الأول، مع أنه من الممكن أن يكون الفاعل هو المشتبه الثالث أو الرابع. كان مهرجان الاسكندرية السينمائي قد انتهى بالأمس وقمت مبكرا لأعود الى القاهرة واصطحبت معي الدكتور خالد شوكات الكاتب والصحفي التونسي، في طريقه الى أحد فنادق القاهرة. وصاحبني مرحبا في وداعي للاسكندرية. فأنا عندما أودعها أدخل مكتباتها في وسط البلد، وبينها مكتبة من أيام القطاع العام الذي هاجمه الجميع وسخروا منه تبيع الكتب بقروش قليلة. واستوقفني خالد عدة مرات ليتأكد من أن الأسعار المكتوبة هي نفسها الأسعار الحقيقية للكتب، فهو لا يصدق أنها تباع بهذا الثمن الزهيد. وحملنا ما اشتريناه الى السيارة وقصدنا القاهرة، ولم نفتح الراديو فلم نكن نريد أي ازعاج، وكانت تلك الساعات القليلة هي فرصتنا لمناقشة مهرجان الفيلم العربي في روتردام. وكان قد عقد دورته الأولى في ظروف شديدة التواضع. ولكن ذلك لم يكن يستمر. فلقد كانت هناك محاولة جادة لتطويره، وفعلا حدث هذا في دورته الثانية. وأنزلت خالد في «الاوتيل» الذي كان على مشارف القاهرة. وقصدت البيت لألقي بنفسي أمام التلفزيون انتظارا لاعداد الغداء خلال ثوان لا يمكن أبدا أن تصل الى دقيقة كنت أرى المحطات متشابهة، وأن الصور تحوي أشياء مثيرة، وأن يوم القيامة قد أتى، نادتني زوجتي بأن الغداء معد. صرخت أن هناك شيئا هائلا يحدث ولا أعرف ما هو. بعد ثوان أخرى تكشفت ما يحدث. ودعك من قضية تصديقه فتلك قضية أخرى. وانتابتني مشاعر مختلفة أولها والحق يقال هو تشف في الدولة العظمى التي نالنا منها ومن غطرستها الكثير. وثانيا الاشفاق على هؤلاء الأبرياء الذين ذهبوا الى أعمالهم، أو ذهبوا ليتسوقوا فإذ بهم في الجحيم. وثالثها القلق من اتهامنا بأننا وراء ذلك وهذا ما حدث فعلا. ألقت اميركا التهم لكنها لم تحقق فيما يحدث. أعلنت حربا، وأبادت جيوشا، ودمرت بلدا بأكمله وورطت دول العالم معها، ومع ذلك لم تحقق في الجريمة التي حدثت، ولم تصل الى المتهم. حقا انها حددت أسماء، وحقا «اعترف» البعض أنه فعل ما فعل. لكنها توقفت عند اطلاق دخان دون نار حقيقية. وما زال اسامة بن لادن الجزرة التي تقود بها اميركا الحمار العالمي. وبصراحة أنا أحسده على الأمان الذي يعيش فيه. فهو يعرف أن اميركا لا تريد الوصول اليه، لأنها اذا وصلت اليه انتهت قضيتها! أسامة بن لادن يسمع القنابل حوله ويعرف أنها متفجرات الحرس حقا انها قد تصيب الأبرياء أحيانا، لكن الأبرياء لا حساب لهم في السياسة، المهم أن المتفجرات تصدر ضجيجا هائلا. وحسب قاعدة اللواء الباجوري «وغيره» ليس المسلمون هم المتهمون فهم لم يكسبوا من أحداث 11 سبتمبر على العكس خسروا الكثير، وأظن أنهم سيخسرون الكثير. العرب؟ أسوأ بكثير، فبعد افغانستان تفتحت شهية الولايات المتحدة للمنطقة. وما حدث في فلسطين لم يكن يحلم به حتى شارون. والدور قادم على العراق ثم على بلاد عربية أخرى. لم يستفد أحد مما حدث في 11 سبتمبر إلا الولايات المتحدة! فهي التي تستبد الآن بالعالم دون رادع، تشكل بقدرات امبريالية لا راد لقضائها. وتطيح من أقصى الدنيا لأقصائها تقول ما تريد وتفعل ما تريد. ويقف رئيس جمهوريتها كل يوم تقريبا ليقول كلاما غريبا يؤكد أنه لم يتعلم في مدرسة، وأنه لم يكن ابنا لأسرة فيها أم ترعى أولادها، وأنه لا يعرف مع من يتكلم ولا ماذا يقول. أتحدى من يدافع عن الولايات المتحدة، وأنها - واسرائيل طبعا - ليست المستفيد من تلك الأحداث. طبعا يثير هذا الكلام ثائرة أصحاب نظرية براءة الأطفال الذين يهاجمون ليل نهار نظرية المؤامرة، والذين يؤكدون أن الحياة تسير مثل الدانوب في هدوء شديد. وأزيد فأقول أن «السلطة» في اميركا قد استفادت مما حدث. فلقد كان الرئيس الابن بوش يجرب الكرسي وسط شك عارم بنتيجة الانتخابات الرئاسية حسب قواعد العالم الثالث. فلماذا لا يستفيد من تلك القواعد ويصرخ: الذئب.. الذئب! ويلتف الناس حوله خوف الخطر.. وهذا ما حدث فعلا. ملعونة أحداث 11 سبتمبر فلقد أضاعت علينا مسافة كان ممكنا أن نقول فيها شيئا أمتع!!