في ساعات قليلة تغير وجه الولايات المتحدة من بلد مفتوح للعرب والمسلمين الى بلد يخشاهم وانقلبت علاقات الصداقة بين مجموعة كبيرة، من الدول العربية والولايات المتحدة الى علاقات شك وتخوف متبادل. في ساعات قليلة انتقلت الولايات المتحدة من الدفاع العالمي الى الهجوم والاستفراد في القرار الدولي وتغير الميزان من وزن الى آخر وهبت الرياح من مبنى التجارة الدولي الى عوالم العرب والمسلمين. الساعات التي هزت الولايات المتحدة والعالم هي تلك التي جاءت بلا مقدمات وبلا سوابق واضحة، بل كانت مفاجأة لم تكن في حسبان احد سوى هؤلاء الذين نفذوا الهجمات وخططوا لها. ومنذ ذلك الانقلاب تغير شكل العالم، بدأت التداعيات ولم تنته كما انها لم تنته قبل مرور زمن لا يستطيع احد التحكم بمساره ونتائجه وأثاره. فجأة انطلقت الحملة على افغانستان، وبدأت فيها حرب ما زالت ذيولها مستمرة بلا انقطاع، وفجأة انطلقت الحملة الاعلامية الكبيرة نحو السعودية فمست صلب العلاقات السعودية الاميركية، كما وانطلقت الحملة بشكل مباشر او غير مباشر لتمس القضية الفلسطينية ولتمس وضعها من خلال سلسلة من التصعيد والمواجهات واعادة احتلال الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. الحملة على الارهاب اصبحت في كل مكان وعلى كل لسان وفي لائحة كل جهاز استخبارات وكل اجراء في مطار. فمن خلالها تنفذ الكثير من الاهداف التي ترمى الى اعادة رسم الاوضاع السياسية في العالم العربي. اليوم تحولت الولايات المتحدة نحو العراق، اذ بدأت تستعد لصناعة حرب مواجهة كبرى حول العراق: الهدف من الحملة هو تغيير النظام العراقي، او كما يمكن ان نقول بلغة اخرى: تغيير اول نظام عربي بأياد اميركية. في هذا تحول كبير في الولايات المتحدة من احتواء اعداء ها الى تغييرهم. الرؤية الجديدة التي يقول بها بوش وادارته هي تلك التي تركز على ضربات وقائية ضد من ترى الولايات المتحدة انهم قد يسببون لها اخطاراً لاحقة. انها سياسة الاستباق التي لا يستطيع احد التنبؤ بها. في هذا تطور جديد يحمل في طياته افاق الخطأ والخطأ المضاد في دائرة مغلقة للحرب والموت. الحرب كما هي اليوم مستمرة بأشكال مختلفة وبوسائل عديدة. العراق اليوم وربما غدا، وبوسائل جديدة، اطراف عربية اخرى وبعد غد تستمر الحرب معبرة عن الرد الاميركي على احداث الحادي عشر من سبتمبر. في هذا يقع تغيير كبير هو في طور التطور ولن نجد له نهاية قريبة. الحادي عشر من سبتمبر غير معادلات كثيرة: روسيا لحقت بالولايات المتحدة، وفرنسا تلحق وفق توقيتها الخاص، والصين عارضت وركزت على شئونها الداخلية والاقتصادية، أوروبا عارضت بينما سكانها يتعاطفون مع السياسة الاميركية وسياساتها تلحق الولايات المتحدة في القضايا الفاصلة. اما تركيا فتنتظر نهاية للعقوبات ومد تحالفاتها بحيث تشمل العراق الجديد واسرائيل والأردن وغيرهم، بينما تنتظر ايران نهاية عدوها صدام. اما العرب فانقسموا بين معارض في اللفظ ومؤيد في السر، وبين متردد وآخر متخوف وثالث ينتظر الفرصة ليستغل الاوضاع الجديدة، فالمعارضة اللبنانية تنتظر ان يؤدي الوضع الجديد لتقوية فرصها في لبنان، كما ان المعارضة العراقية تنتظر تحرير العراق بواسطة القوة الاميركية، وتنتظر المعارضات العربية وهي كثيرة بعضها في المهجر وبعضها في الوطن تغيرا يصيب العالم العربي ويفتح الاساس للحريات وللانتخابات. الجميع ينتظر ويتأقلم دون معرفة دقيقة بحجم التغير وحجم النتائج. وقد أكدت احداث الحادي عشر من سبتمبر اننا اصبحنا كأمة تحت المجهر لجميع القوى الاميركية اضافة للكثير من القوى المؤثرة في العالم. فكيف نعامل المرأة في بلادنا اصبح محل تساؤل، وهل تتمتع بحقوق او لا تتمتع بحقوق اصبح امراً يحاكم من خلاله الاسلام، كما اصبحت انظمتنا السياسية من حيث مدى توفر الحريات والضمانات القانونية والصحفية محل تساؤل. بل اصبح السؤال: لماذا لا يشارك العربي في انتخاب ممثليه في مجال او آخر بينما تشارك معظم شعوب الارض في هذا الحق البسيط، وتعمقت في الشهور الماضية التساؤلات عن اوضاعنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فإن يتحول مجموع الانتاج العربي الاقتصادي للـ 270 مليون عربي الى اقل من الانتاج الاقتصادي لدولة اوروبية واحدة مثل اسبانيا وعدد سكانها لا يتجاوز الاربعين مليوناً يعني ان وزن العرب في مجال الانتاج والتبادل والعمل اصبح هو الآخر محدودا. اننا في مرحلة جديدة، فالعرب لم يمروا بربيع يشبه ذلك الربيع الذي حل في أوروبا الشرقية عندما سقطت الشيوعية، ولم يمروا بتغيرات حقيقية منذ ان انتهت الحرب الباردة. ان احداث الحادي عشر من سبتمبر هي انعكاس لردة فعل قطاع من العرب على اوضاعهم كما ان ردة الفعل الاميركية هي انعكاس للرد الاميركي المضاد. بين هذا الفعل وبين ردة الفعل سوف تقع معادلات جديدة وسوف تسود تغيرات يصعب ضبط قيمتها او التحكم بنتائجها. انها حالة سوف تشغلنا لسنوات طوال. ـ أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت