عندما وقعت احداث الحادي عشر من سبتمبر (2001)، كان قد مضى نحو ثمانية اشهر فقط على تسلم ادارة الرئيس جورج بوش السلطة في الولايات المتحدة (20/1/2001). واذا كان من الطبيعي ان تحدث تلك الضربات القاصمة في قلب العاصمتين الاميركيتين السياسية والاقتصادية كل هذا الأثر المدمر، نفسياً وسياسياً واقتصادياً وامنياً، داخل الولايات المتحدة وفي اجزاء كثيرة من العالم، الا ان الروح العدوانية والشراسة اللتين اظهرتهما الادارة الاميركية تجاه كل ما هو «غير أميركي»، لم تكونا وليدة تلك الاحداث وحدها، وانما تجلت ملامحهما وبوادرهما قبل ذلك في الحملة الانتخابية لجورج دبليو بوش وفي التصريحات والبيانات الصادرة عنه وعن كبار مساعديه الذين هم رجال ادارته الحاليون فقد ركزت خطب (المرشح) بوش على ضرورة استعادة عظمة الولايات المتحدة لتقود العالم كله في القرن الحادي والعشرين، كما تضمنت اتهامات للرئيس السابق بيل كلينتون بأنه اضعف القوة العسكرية الاميركية، وتحدثت تلك الخطب عن برامج واسعة لتحديث القوات المسلحة الاميركية وزيادة فعاليتها ومواصلة تنفيذ برنامج «الدرع الصاروخية» الذي كان كلينتون جمده لأسباب قيل انها فنية بالاضافة الى تصميم واضح على التخلص والتحرر من الاتفاقيات الدولية التي تحد من حرية وحركة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. وفي الاجمال كان خطاب الادارة الاميركية الجديدة، حتى قبل ان تتسلم السلطة فعلياً، عنيفاً وحربياً ويعد بمزيد من الهيمنة الاحادية على العالم كله. وهكذا... فقد بدت احداث الحادي عشر من سبتمبر وكأنها اشارة الانطلاق لبدء تنفيذ البرنامج المعد لادارة الرئيس جورج بوش، مع تحرر كامل من كل القيود السياسية والدبلوماسية التي كانت تشكل، في العادة، غطاء للسياسات الاميركية السابقة وفضلاً عن الخطوات العديدة التي اتخذتها هذه الادارة بالانسحاب من اتفاقيات دولية مهمة كمعاهدة الحد من سباق التسلح (ايه.بي.ام) المبرمة مع الاتحاد السوفييتي السابق، ومعاهدة كيوتو الخاصة بحماية البيئة ثم المحكمة الجنائية الدولية التي تخضع كل دول العالم لقوانينها واجراءاتها القضائية، فقد تنكرت تماماً لمبادئ حقوق الانسان والعدالة التي كانت تعد احدى العلامات البارزة في السياسة الاميركية، داخلياً وخارجياً كما ادارت ظهرها كلياً للشرعية الدولية، بعدما كانت عمليات انتهاك الشرعية الدولية من قبل المؤسسات الاميركية تتم مداورة، او وسط كثير من الذرائع والتبريرات ويستدل من السياسات التي تمارسها الادارة الاميركية حالياً انها لم تعد معنية على الاطلاق لا بالشرعية الدولية ولا بحقوق الانسان، وبالمبادئ والاسس التي ارتكز اليها الدستور الاميركي، وهو كان احد المراجع التشريعية المهمة في العالم بالنسبة للدول الحديثة الاستقلال التي حرصت على ان يكون لها نموذجها المفضل في الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الانسان. وتحت غطاء مكافحة الارهاب، التي اتخذت شكل حملة ثأرية مفتوحة، تحركت الادارة الاميركية في اتجاهين، داخلي وخارجي: ـ داخلياً: تمثلت الاجراءات الحكومية في سن العديد من التشريعات الجديدة، ذات الصفة الاستثنائية، التي تشكل قيوداً على الحريات العامة وتنتهك مبدأ المساواة بين المواطنين، وتطلق ايدي الاجهزة الامنية، القائمة والمستحدثة، في اتخاذ الاجراءات التي تراها مناسبة، سواء بالنسبة لاعتقال الاشخاص المشتبه فيهم واحتجازهم لفترات متفاوتة، او مداهمة المنازل والامكنة العامة والخاصة لأي سبب من الاسباب وباختصار: لم تعدة ثمة حرمة لأي شيء، مما يذكر بسلوك اسوأ الديكتاتوريات في العالم. انفلات خارجي ضد العالم كله ـ خارجيا، شهدت السياسات الاميركية المنفذة في مختلف انحاء العالم انفلاتاً لا حدود له، لقد بدت ادارة الرئيس بوش حريصة على اظهار اكبر قدر من الاصرار على فرض الاحادية القطبية للولايات المتحدة على العالم ومع ان معظم الدول ابدت تعاطفاً واضحاً مع الولايات المتحدة نتيجة الاعتداءات التي تعرضت لها كما شارك العديد منها في النشاطات والاجراءات المتعلقة بمكافحة الارهاب، في اطار ما سمي «التحالف الدولي ضد الارهاب»، الا ان السياسة التي مارستها الادارة الاميركية حيال الجميع اتسمت بفظاظة واضحة هي اقرب الى العدوانية منها الى اي نوع من العلاقات الدولية، فقد كانت ادارة بوش مهتمة الى حد الهوس المرضي باثبات قدرتها على قيادة العالم والاندفاع به في الوجهة التي تريدها وبرغم ان المصطلحات التي استخدمها الرئيس الاميركي حول «الخير والشر»: الخير الذي تمثله اميركا والشر الذي يمثله الآخرون، ثم «محور الشر»، و«من ليس معنا فهو مع الارهاب»، بدت تبسيطية ومضحكة الى حد كبير، الا ان صقور البيت الابيض لم يترددوا، في الوقت نفسه، في التهديد باستخدام الاسلحة النووية ضد الدول «المارقة» او المناوئة للولايات المتحدة، وهو ما اثار موجة استنكار عالمية واسعة. وقد ادى هذا السلوك، المتعالي والاستفزازي، الى استعداء مزيد من الدول والقوى العالمية، التي وجدت نفسها في تناقض لابد منه مع الادارة الاميركية وبسبب ذلك تعرضت الولايات المتحدة لانتقادات واسعة، مباشرة وغير مباشرة، حتى من قبل بعض حلفائها الرئيسيين في اوروبا وآسيا، ناهيك بروسيا والصين ودول شرق اوسطية عديدة ويذكر ان فرنسا كانت سباقة في انتقادات السياسات الاميركية في اعقاب احداث سبتمبر الماضي، حيث رأى الفرنسيون ان الولايات المتحدة تتحمل مسئولية رئيسية فيما حدث يوم 11 سبتمبر بسبب سياساتها غير المتوازنة في مناطق مختلفة من العالم. الشرق الاوسط والفلتان الاسرائيلي وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط تحديداً، حيث يشكل الصراع العربي ـ الاسرائيلي والدعم المستمر الذي تلقاه اسرائيل من الولايات المتحدة ابرز اسباب التوتر الدائم في العلاقات العربية ـ الاميركية، اطلقت ادارة الرئيس جورج بوش يد قوى التطرف الاسرائيلية التي يمثلها ارييل شارون وحكومته لالحاق المزيد من القتل والتدمير في المناطق الفلسطينية المحتلة معتبرة ذلك جزءاً من معركتها ضد الارهاب. ولم تكتف ادارة بوش بمنع الشرعية الدولية، الممثلة بالامم المتحدة ومؤسساتها الفرعية، من تقديم اي نوع من العون او الحماية للشعب الفلسطيني الذي يتعرض لابادة جماعية متواصلة بل ان الامر بلغ بنائب الرئيس الاميركي ديك تشيني حد اخفاء «شرعية حقوقية» على الاحتلال الاسرائيلي بقوله ان اسرائيل غنمت اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة في حرب 1967 ولانها انتصرت في تلك الحرب فهي تستحق ما غنمته! وفوق ذلك فإن الادارة الاميركية تعد حملة عسكرية ضد العراق تحت ذريعة ان النظام العراقي يشكل خطراً على الولايات المتحدة واسرائيل كما توجه واشنطن رسائل تهديد مستمرة الى كل من سوريا ولبنان وليبيا والسودان، في حين تمارس ضغوطاً من نوع آخر على مصر والسعودية واليمن ودول عربية اخرى. وبسبب من كل ذلك فإن المنطقة تواجه حالة من الفوضى والاضطراب والمخاوف الامنية المتزايدة تلعب اسرائيل دور المحرك الرئيسي فيها لكن الادارة الاميركية تبدو حاضرة باستمرار للتغطية على الدور الاسرائيلي وتحويل الانظار في اتجاهات اخرى وذلك من قبيل التعمية ومحاولة قلب الحقائق. اصرار على تجاهل الحقائق بعد عام على احداث الحادي عشر من سبتمبر، لا تبدو الادارة الاميركية مهتمة بالبحث في عمق الدوافع الحقيقية لما حدث في ذلك اليوم الرهيب بل هي تظهر مزيداً من التصميم على مواصلة النهج الذي ادى ويؤدي الى تصعيد حالة العداء ضد الولايات المتحدة وسياساتها في مختلف انحاء العالم وفضلاً عن ذلك فإن الممارسات الاسرائيلية في منطقة الشرق الاوسط بخاصة انما تتسبب في خلق المزيد من الاعاقات امام عملية التحول الديمقراطي، التي تزعم الادارة الاميركية بأنها تشكل احد همومها الرئيسية. وفي الواقع، فإن المخاوف الناشئة عن السياسات التي تنفذها الولايات المتحدة حالياً في العالم لا تقتصر على الاطراف الخارجية المتضررة من هذه السياسات انما تشمل قسماً كبيراً من الرأي العام الاميركي نفسه وقواه الفاعلة وفي هذا السياق، يشكل البيان الذي اصدره نحو ألفين من المثقفين الاميركيين قبل عدة اسابيع وثيقة ادانة مهمة لسلوك الادارة الاميركية وسياساتها الحالية ويتساءل المثقفون الاميركيون بصراحة: «اي عالم سيصبح عالمنا اذا باتت الحكومة الاميركية حرة طليقة ترسل فرق الكوماندوس والمجرمين والقنابل الى حيث تشاء»؟ ويرفع موقعو البيان اصواتهم في وجه رجال الادارة الاميركية: «لن نسلم ضمائرنا مقابل وعد خاص بالأمن، وسنمد ايدينا للذين يعانون من تلك السياسات في ارجاء العالم». انها مجرد صرخة في وجه الظلم الذي تمثله السياسات الاميركية الراهنة، حتى وان كانت مناسبتها الذكرى الاولى للحادي عشر من سبتمبر التي تستحق الادانة ايضاً وبالقدر نفسه. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس