ما هي «القضية» الاميركية ضد العراق على وجه التحديد الدقيق؟ هل هي اسلحة الدمار الشامل؟ ام هل هي اسقاط نظام الرئيس صدام حسين؟ ان هناك ارتباكاً.. وهو ارتباك غير بريء. فإذا كان الهدف الاميركي هو تجريد بغداد من اسلحة دمار شامل.. فما علاقة اسقاط النظام بهذا؟ هذا التساؤل بات بالطبع متداولاً على مستوى عالمي.. لكن افضل وأبلغ صياغة له جاءت على ألسنة ثلاثة رؤساء غربيين: الفرنسي جاك شيراك، والكندي جان كريتيان، والالماني جيرهارد شرويدر. وعندما سئل الرئيس شيراك في مقابلة مع «نيويورك تايمز »عما اذا كان تغيير النظام العراقي وارداً كأحد الخيارات اذا رفضت بغداد عودة مفتشي الاسلحة الدوليين رد بثلاث نقاط قاطعة كحد السيف كما يلي: اولاً: من حيث المبدأ لا شيء مستحيل. ثانياً: اذا صدر قرار بذلك من مجلس الامن الدولي. ثالثاً: اذا استند القرار الى دليل قاطع لا يرقى اليه الشك. كان محور المقابلة يدور حول ما يبدو الآن انه مبدأ اميركي جديد للتعامل مع العالم بعد احداث سبتمبر تحت اسم «مذهب بوش» وهو مبدأ قوامه اسلوب «الضربة الوقائية».. اي ان تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية استباقية بطريقة احادية ضد اي دولة ترى واشنطن انها قد تشكل خطراً مستقبلياً على امنها او امن العالم. لقد عبر شيراك بصراحة كاملة عن معارضته لهذا المبدأ قائلاً بلهجة تحذيرية: «بمجرد ادعاء دولة ما الحق في القيام بعمل وقائي فإن دولاً اخرى سوف تسارع بالطبع بعمل الشيء نفسه». واستناداً الى هذه الملاحظة تساءل شيراك: «ماذا تقول لو افترضنا جدلاً ان الصين ارادت القيام بعمل وقائي ضد تايوان بدعوى ان تايوان تمثل تهديداً لها؟ او ان الهند ارادت القيام بتحرك وقائي ضد باكستان او ارادت باكستان القيام بتحرك مماثل ضد الهند؟». بكلمات اخرى يقول شيراك ضمناً أن «مذهب بوش» سوف يقود العالم الى فوضى شاملة اذا كانت الدول سوف تتصرف بدون مرجعية قانونية دولية. وفي كلمات واضحة شرح الرئيس الفرنسي كيفية اسقاط المرجعية القانونية الدولية على الحالة العراقية كما يلي: اذا كان الهدف منع العراق من امتلاك اسلحة دمار شامل فإن علينا السير على الطريق الذي سلكته الامم المتحدة وهو فرض عودة المفتشين دون قيود او شروط مسبقة. فإذا ما رفض العراق يعود الامر الى مجلس الامن الدولي الذي يجتمع ويناقش المسألة ويقرر ما يتعين عمله ولا سيما ما اذا كان يتعين القيام بعمل عسكري ام لا». هذا هو الطريق المستقيم الذي ترفضه مافيا الادارة الاميركية. رئيس حكومة كندا ايضاً يتساءل عما اذا كانت القضية التي يجب ان تطرح هي اسلحة الدمار الشامل ام الاطاحة بالنظام العراقي فهو لا يرى رابطة منطقية بين المسألتين. واستناداً الى هذا التساؤل الاستنكاري قال بصراحة كاملة في مقابلة تلفزيونية: «اذا ذهبنا الى العراق لتغيير النظام بدلاً من التأكد بعدم وجود اسلحة دمار شامل فنحن لا نوافق على ذلك». ان ادارة بوش تبرر سعيها لاسقاط نظام الرئيس صدام حسين بأنه نظام غير ديمقراطي. وفي هذا يقول رئيس الوزراء الكندي في بهجة لا تخلو من سخرية: «اذا كان لابد من الاطاحة بصدام لأنه غير ديمقراطي فهذا يعني انه يجب الاطاحة بثلاثة ارباع القادة في العالم»! وتأتي المعارضة الفرنسية والكندية للمغامرة العسكرية ضد العراق التي تروج لها واشنطن على خلفية تصريحات للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر لا يدع مناسبة دون تكرارها بكلمات واضحة. ومن احدث هذه التصريحات اشارته في مؤتمر صحفي في برلين الى الصداقة بين المانيا والولايات المتحدة قائلاً ان جوهر هذه الصداقة يجب ان يسمح بمناقشة كل الامور بين الطرفين «لا ان يذكر طرف رغبته في شيء ما وأن على الطرف الاخر ان يوافقه تلقائياً». هذه هي المواقف المتطابقة لثلاثة من اكبر وأقوى قادة الغرب التي يواجهون فيها الولايات المتحدة انطلاقاً من ارضية الندية المتكافئة. انهم يرفضون بصراحة سياسة الاملاء التي تحاول واشنطن ان تفرضها على دول العالم. ولو تراجعت الولايات المتحدة عن خطتها الهجومية الشريرة ضد العراق فإن التاريخ سوف يسجل ان هذا التراجع كان بسبب تمرد اوروبا وانتصارها لاستقلاليتها. لكن المؤسف ان سياسة الاملاء الاميركية سوف تبقى سارية المفعول على الدول العربية ـ المفترض ان تكون «شقيقة» للعراق.