في دنيا العولمة يصبح الاتصال أمرا حيويا ويتحول اهتمام العلم والفكر إلى دراسة ورصد ظاهرة الاتصال حتى ليصدق على هذه الدراسة صفة التفسير - الاعلامي للتاريخ. والإعلام اتصال بين مذيع (الرسالة) وبين جماهير المتلقين ومكانه بداهة هو موجات الأثير بالدرجة الأولى. والدبلوماسية من ناحية ثانية اتصال أيضا، ولكن داخل الصالونات المكيفة للسفارات والمندوبيات والممثليات. قال فرنسي حكيم ولقد كان السياسي الفرنسي القديم جورج كليمنصو (1841 ـ 1929) يقول عن الحرب انها أمر خطير للغاية.. أخطر من أن تترك للجنرالات العسكريين. وبنفس المقياس يمكن أن نقول في زماننا أن الاتصال الإعلامي (الميديا) والاتصال الرسمي الدولي (الدبلوماسية) أمور هي بدورها في غاية الخطورة.. أخطر من أن تترك لا للإعلاميين ولا للدبلوماسيين على حد سواء.. درس 11 سبتمبر لابد اذن من أرضيات مشتركة يمارس من فوقها الاتصال الناجح الفعال، بحيث تمتزج فيها وتتفاعل جهود الاعلام والدبلوماسية وصولا إلى بث رسالة اتصالية - إعلامية تحقق أهداف الإقناع والتأثير وتشكيل الاتجاهات وصوغ الآراء بما يحقق المصالح الوطنية والقومية لصاحب الرسالة. هذا هو الدرس الذي مازالت أميركا تستوعبه من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وفيما تعكف دوائر شتى في الولايات المتحدة على تنظيم احتفالات أو كرنفالات أو مهرجانات لاحياء الذكرى السنوية الأولى لمأساة 11 سبتمبر، فإن الخارجية الأميركية تأخذ المسألة على نحو آخر من حيث الجدية والتعمق.. ومن ثم تبادر إلى عقد مؤتمر مهم داخل أروقتها يضم 50 دبلوماسيا ونحو عشرين من كبار الأكاديميين الأميركيين والأجانب وراسمي السياسات كي تطرح عليهم موضوعا يتلخص على وجه التحديد في عبارة تقول: ـ «بحث جذور ظاهرة العداء ضد أميركا وسبل معالجة هذه الظاهرة». مثل هذا المؤتمر يعد في تصورنا من بنات أفكار خبيرة الاعلان، السيدة شارلوت بيرسي التي جاءوا بها من مكاتب بحوث التسويق ودوائر الإعلان في ماديسون افنيو في نيويورك لتشغل منصب وكيل وزارة الخارجية في ادارة الرئيس بوش، وتوكل اليها مسئولية ماأصبح يعرف في أدبيات السياسة الأميركية بمصطلح الدبلوماسية العامة أو الدبلوماسية الإعلامية أو الجماهيرية. الإعلام والدبلوماسية وإذا كانت المآسي التاريخية تنطوي على دروس مستفادة تتعلم منها الأمم والشعوب - على أساس أن من السموم الناقعات دواء على حد ماقاله يوما أمير الشعراء أحمد شوقي - فإن مأساة الحادي عشر من سبتمبر ركزت الانتباه على مايبدو على أهمية هذه الأرضية المشتركة بين الاعلام والدبلوماسية، ثم الى أهمية مشاركة القطاع الخاص ودوائر المجتمع المدني الأهلي وغير الحكومي في جهود الاتصال الإعلامي والدبلوماسي بين الشعوب. وربما قلبت واشنطن في دفاترها القديمة وحاولت ان تستدعي قصص نجاحاتها في جيل مضى، فوجدت أمامها نموذج مشروع مارشال الذي أطلقته - كما لعلك تذكر - في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية بعد منتصف الاربعينيات من القرن الماضي. أيامها رفع مشروع مارشال شعار (إعادة تعمير مادمرته الحرب في غرب أوروبا) ولكن كان الهدف الجوهري هو رسم وغرس وتثبيت صورة جديدة، لامعة ومبهرة لأميركا - البلد والأفراد والسياسة والخيارات - في وجدان شعوب أوروبا الغربية. دور القطاع الخاص في هذا الإطار تجلى التقليد المتبع في السياسة الأميركية متجسدا في علاقة التعاون إلى حد التفاعل والتلاحم بين الإدارة في واشنطن وبين دوائر القطاع الأميركي الخاص.. وكم تكررت قصة اختيار البيت الأبيض لمبعوثين كان يوفدهم في مهام سوبر - مهمة بل حيوية إلى ارجاء العالم الأربعة.. ومنهم مثلا الرئيس الأعلى لشركة الكوكاكولا الذي بعثه الرئيس الأسبق ايزنهاور إلى الرئيس المصري عبدالناصر. وربما كان أشهر هؤلاء المبعوثين من القطاع الخاص هو «بول هوفمان» وكان رئيس شركة «ستودبيكر» لصناعة السيارات وقد أوفده الرئيس ترومان مسئولا عن تنفيذ مشروع مارشال في أوروبا. يومها رفع «هوفمان» شعارا يقول: ـ سوف تثبت أن خط التجميع داخل المصنع أهم وأجدى من طابور التجنيد في مقر الحزب. وكان صانع السيارات الأميركي يعني ببساطة أن تقدم أميركا في انتاج السلع وتطوير الخدمات أكثر فائدة للمواطن الإنسان المستهلك، الخارج مكدودا بعد شظف الحرب العالمية ولظاها، من دعوات الأحزاب الشيوعية وعقائدها ومنشوراتها وشعاراتها التي اجتاحت يومها أقطار شرقي أوروبا التي شكلت من بعد المنظومة الشيوعية التي تبنت أيديولوجية الماركسية، وتزعمها الاتحاد السوفييتي. حكاية جوسميث يومها ايضا بدأت تنتشر في أرجاء أوروبا - وربما العالم الخارجي - صورة الأخ (جوسميث). هي صورة الفرد الأميركي، المواطن العادي من ابناء العم سام - الصورة التي روجتها الميديا الأميركية وخاصة في أفلام سينما هوليوود ومن بعدها برامج وتمثيليات التليفزيون التي راجت منذ أوائل الخمسينيات.. هذا فضلا عن مجلة «ريدرز دايجست» الشهيرة التي ظلت تصدر بطبعات مختلفة في لغات شتى في انحاء العالم (المختار هي طبعتها العربية التي تبدل مقرها بين كل من بيروت والقاهرة) وفي أبواب معينة من المجلة المذكورة رسم المحررون صورة الأخ جوسميث الأميركي القح، أو هو العامل الأميركي العادي.. وفي هذا الصدد بالذات تقول الكاتبة فكتوريا دي جراسيا: هذا المطبوعات والأفلام والفعاليات (مهرجانات أو مناسبات احتفالية وما في حكمها) تعاونت على رسم وترويج حكاية «مستوى المعيشة المرتفع للمواطن (جوسميث): بيته الخاص المنسق.. لباس العمل - الاوفرول» الجديد النظيف الأنيق الذي يرتديه.. أدوات وآلات التشغيل التي يستخدمها تلمع ببريق الجدة والنظافة وحسن الصيانة.. سيارته الأميركية الناتجة بالذات عن خط التجميع الذي سبق الى اكتشافه - كما هو معروف - هنري فورد امبراطور صناعة السيارات في مقتبل القرن العشرين وأدى الى مايشبه الثورة في عمليات الانتاج. في ربقة الأقساط هكذا فرض جوسميث نفسه وصورته (الايجابية طبعا) على وجدان عالم النصف الثاني من القرن الماضي.. كانت الصورة لامعة براقة وأحيانا جذابة بل مبهرة.. وقتها لم يقف احد كي يتساءل عما اذا كان البيت الأنيق (وهو مناط الحلم الأميركي) مرهون اصلا للبنك المحلي.. وان صاحبه السيد سميث اياه مثقل حتى رقبته بأقساط الديون الشهرية، وكذلك الحال بالنسبة لاقساط السيارة ذات الأجنحة والمساحة الواسعة كأنها طيارة فوق الأرض.. ولقد تزيد وطأة المدفوعات الشهرية لدرجة ان يتحول السيد المرفه جوسميث الأميركاني - في واقع الامر - الى مستخدم.. مجرد مستخدم لحساب البنك العقاري ومصرف الرهونات ووكالات السيارات والثلاجات وما إلى ذلك بسبيل (للتاريخ، فقد ثبت ان مجلة ريدرز دايجست - المختار كما ألمحنا - كانت تتعاون مع المخابرات المركزية الأميركية لتكريس وتجميل هذه الصور الايجابية لأميركا). هذا التعاون اثبت ان من الأهمية بمكان استخدام فنون الاعلان وأساليب التسويق وآليات الترويج لخدمة الاغراض السياسية.. أو على حد قول المتخصصين لتحقيق أهداف أساسية منها مايلي: تشكيل الافكار التي تراود خواطر مجاميع كاملة من السكان.. تغيير انماط حياة الشعوب وأساليب معيشتها.. خلق أفكار وزرع طروحات ونظريات وصياغة مواقف وتشكيل اتجاهات لصالح هذا الهدف أو ذاك، ويستخدم في هذا المضمار سلع وبضائع مادية وغير مادية، قد تبدأ مثلا بسيارة من انتاج هنري فورد وقد لا تنتهي بماركات صابون غصن الزيتون الشهير.. عبورا بصور نجوم وكواكب سينما هوليوود المسقطة على الشاشات الفضية ومن حولها تعمل ماكينة بروباجاندا عاتية بل رهيبة، تشمل كتائب وألوية من أهل الصحافة ومحترفي الكتابة ومن المصورين والرسامين ومن وكلاء الفنانين ومديري الدعاية ومن مصممي الازياء والشعر (الكوافيرات) ومنتجي مساحيق التجميل والأطباء المتخصصين في جراحات التقويم التي تصنع من (البوصة عروسة) كما يقول المثل الدارج - الجراحات البلاستيكية كما تسمى في الأدبيات الأميركية. وكان المهم في هذا كله هو أن يصبح السيد جوسميث - نموذج العامل الأميركي قدوة تحتذى في أوروبا بل وفي العالم كله.. وكان الأهم في اطار «مشروع مارشال» الذي تبرعت واشنطن بتنفيذه بعد الحرب العالمية الثانية ان يشعر المواطن الأوروبي الخارج وأسرته من ويلات الحرب الفظيعة - ان نموذج الحياة الأميركية أمر سهل وميسور المنال، ويمكن للأوروبي الوصول الى رغده والتمتع بنعمائه.. شريطة ان يدلي بصوته في الانتخابات ضد اليسارية الشيوعية.. أفكارها ومعسكرها واحزابها. الناتو والرفاهية في هذا السياق لا ينسى المخضرمون تلك الصورة الجدارية - الأفيش الإعلاني كما يسميه أهل الصنعة - الذي يروج لمشروع مارشال وللحلف الأطلسي الذي جاء ليكرس قيادة أميركا لغرب أوروبا ومن ثم للعالم. في الصورة تظهر قبضة يد ومساحة من ذراع عليها خطوط الطول والعرض وقد أمسكت بتفاحة يانعة هي رمز العائد والناتج المأمول.. وعلى التفاحة كلمة واحدة هي (الرخاء) وأسفل ساعد اليد المرسومة عبارة واحدة هي: (ثمرة التعاون). جريدة «هيرالد تربيون» اعادت نشر هذا الملصق الإعلاني (عدد 26/8/2002) الذي يرجع تاريخه كما قالت الى عام 1947. وذكرت أن القوم حين احتفلوا بمرور عشر سنوات على انشاء الحلف الأطلسي - الناتو - وكان ذلك عام 1959، حشدوا أكبر نجوم أميركا مثل فرانك سيناترا وبنغ كروسبي وهاري بيلا فونتي، حيث تغنت أناشيدهم بعظمة انتصارات الناتو وشعوبه ويومها عمدوا الى نشر شعارات كان لها رنينها ودلالاتها في تلك الأيام.. وكانت تخاطب أهل ضفتي الأطلسي تقول: ـ عم مساء.. نم هنيئا.. الناتو ساهر على سلامتك: أو تقول: ـ ناتو: 4 حروف هجاؤها يعني السلام. 4 عناصر أساسية ورغم ان مشروع مارشال قد تكلف منذ نحو ستين عاما مبلغا يصل الى 13 مليار دولار وهو مبلغ مهول جسيم بأسعار أيامنا، الا انه كان بمثابة درس نموذجي أفادت منه أميركا، ولعلها لا تزال تفيد منه حتى في هذه المرحلة التي انطلقت فيها مؤسساتها في حملتها الاعلامية - الاعلانية الجديدة التي نقلت فيها السيدة شارلوت بيرسي من مكتبها بوصفها ملكة الاعلان بدوائر ماديسون افنيو في نيويورك لتشغل - كما أسلفنا - منصب وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشئون الدبلوماسية العامة -دبلوماسية الاعلام والاعلان على السواء. أهم الدروس المستفادة مايدور في التنفيذ على محاور أساسية أربعة هي: (1) استخدام المعونات الأجنبية. (2) شن الحملات الاعلانية. (3) تنظيم المبادلات الثقافية - العلمية والتعليمية. (4) توسيع نطاق الاتصالات القنصلية (بمعنى تعظيم أنشطة الدبلوماسيين الأميركيين على الصعد المحلية في الأقطار الموفدين للخدمة بها). وفيما تظل كلمة بيع أو مصطلح تسويق أو لفظة ترويج من المفردات غير المستحبة في لغتنا أو في ثقافتنا العربية - ولا سيما اذا مااستخدمنا هذه المصطلحات خارج نطاق أسواق السلع المطروحة للبيع أو للشراء - فإن مجتمع البرغماتية المصلحي المادي الأميركي لايضيره في قليل أو كثير أن يستعير عمدا تلك المفردات، كي يستخدمها في كل أنشطة الدعوة والإقناع والتأثير.. لا فرق بين الدعوة الروحية أو السياسية أو الدبلوماسية أو التجارية، ولا فرق بين منابر هذه الدعاوي حيث تستوي مذابح الكنيسة مع منصة المؤتمر السياسي مع ميكرفون الراديو أو التلفزيون مع منبر - بلا تفورم الحملة الانتخابية، أو اجتماع مجلس أمناء جامعة هارفارد أو برنستون. منذ 86 عاما ها هو واحد من أهم رؤساء أميركا في القرن العشرين.. وودرو ويلسون وكان استاذا جامعيا ومفكرا رصينا ذاعت مبادئه الأربعة عشر عن حق تقرير المصير للشعوب في كل انحاء العالم. وكان قد اذاعها عقب ان وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها.. وتردد صدى هذه المبادئ - الحكيمة كما نراها موضوعيا - في فجاج الكرة الأرضية حتى لقد كان من عوامل اندلاع ثورات الاستقلال الوطنية في كل من الهند ومصر (ثورة عام 1919). بكل هذه المكانة - لم يتورع الرئيس ويلسون عند حضور (المؤتمر الدولي لفن البيع) وكان أول رئيس أميركي يحضر هذا التجمع الغريب عام 1916، ويومها خطب ويلسون في المجتمعين قائلا: ـ أيها السادة.. انني احثكم على ان تنطلقوا كي تبيعوا سلعا واصنافا تكفل للعالم مزيدا من الراحة والرخاء والسعادة.. وتفضي في الوقت نفسه الى تحويل العالم كي يعتنق المبادئ التي تطرحها أميركا. بعد 86 عاما هاهي سيدة الاعلان في ماد افنيو كاترين بيرس تتهيأ لشن أكبر حملة من نوعها للاعلان عن سلعة اسمها.. أميركا.. أفكارها.. مبادئها.. مصالحها.. سياساتها وتميزاتها وربما اخطاؤها أيضا. لكن المسألة في زماننا ليست بالسهلة الميسورة كما كانت خلال سنوات القرن العشرين. الرسائل الاعلامية - الاعلانية اصبحت متعددة وأصحابها باتوا يطلقونها من بقاع شتى في كرة الأرضية.. والشعوب المستهدفة لاستقبالها أصبح لديها وعي عميق، يتيح لها ان تفرز وتميز وتغربل الرسائل الواردة من حيث صلاحية أو اضرار تلك الرسائل على حياة تلك الشعوب وعلى مفردات ثقافتها وتراثها. ويظل التحدي قائما ومطروحا باستمرار وهو: مهما بلغ من أمر المهارة في طرح الاعلان والترويج للأفكار ومحاولات استمالة الناس أو استدراجهم أو استهوائهم.. فالمهارة وحدها لا تكفي. وثمة عبارة بليغة تختتم بها الدراسة التي قدمتها الكاتبة الصحفية الأميركية فيكتوريا دي جارسيا تقول فيها: ـ الفيصل في هذا الأمر هو ان الاعلان يصلح ويفيد ويؤثر بقدر ماتكون السلطة (الفكرة) التي يروج لها صالحة ومفيدة. ـ كاتب سياسي من مصر