لا اول للكلام ولا آخر في وحول وبعد الحادي عشر من سبتمبر، او ايلول اميركا الاسود او كما سميت تلك الحادثة بقائمة من الاسماء لا يبدو انها ستنتهي الى اخر التاريخ، فالحدث في اميركا، والالم في اميركا، وحزن العالم كله في اميركا، ومن وقع عليهم الظلم كلهم في اميركا، ومن روع ومن شرد، ومن فقد قريباً او صديقاً او حبيباً كله في اميركا، كل اجزاء العالم اجزاء شريرة ما عدا جزء اميركا، وكل من بداخلها لهم قلوب تخفق بالانسانية ومن بخارجها قلوبهم من حجر، وكل من بداخلها يزن ثمنه قيمة مادية ومعنوية ذهبا وألماساً ومن بخارجها حثالات شعوب متخلفة. هكذا بدا يوم امس، يوم ذكرى الحزن الاميركي الذي لا يقابله في الدنيا حزن، وهكذا تشعر وانت تقلب الاخبار تشاهد وتسمع وتقرأ كيف ان هذا الحزن صار حزنا كونيا، وكيف تتعولم الجراح والآلام النفسية وكيف يتم التعبير عنها .. فقط لان ذلك حدث في اميركا، ام العالم ومربيته ومدبرته وخانقته ايضا.. ولان ذلك حدث في اميركا فان من الطبيعي ان تنقلب صفحات الصحف والمجلات العالمية من وجهها الملون الى وجهها الاسود الحزين، حتى مواقع الانترنت اعلنت الحداد العالمي، وجاءت التقارير تنتشر كما ينتشر الجراد في مواسم هجراته وتكاثره، ألبس العالم نفسه السواد بارادته وبدون ارادة، فالعم سام حزين.. حزين جدا.. ولا تقلب الدنيا وجهها وتقطب حاجبيها، وتنكس راياتها الا له. بالامس تذكرت واستعدت شريط المآسي العربية الاسلامية ممن قتلوا وشردوا وهجروا، ومن فتكت بهم ما انتجته مصانع الحرب في اميركا، تذكرت الاطفال الذين ماتوا امام عدسات وكالات الانباء العالمية، عدت بالشريط القديم الى الوراء فشاهدت ما يدمي القلب ويفطره، ويما يملأ انهار الارض وبحارها وجبالها وصحاريها حزنا وألما. كل ذلك مر دون ان يكون له حزن عالمي بهذا الحجم، كل ذلك مر بدون ان يسعه غضب عالمي بحجمه، امرأة عربية تلتفع بحجابها الابيض تصرخ بين الجثث المنتفخة المتعفنة .. اين العالم؟ .. اين العرب؟ .. اين اميركا؟ .. اين حقوق الانسان؟ ولا تجيبها الا انعكاسات صوتها على جدران الجماجم حولها..لم يحزن احد لهذه المرأة وهي تقلب وجوه الجثث بحثا عن ابنائها .. لم يعترف العالم .. هذا العالم الحزين اليوم بحزنها وألمها ولم يعولمه، فأبناؤها عرب مسلمون وليسوا من دم العم سام. ماذا لو كانت هذه العجوز من حي منهاتن وصورت والتقطت وكالات الانباء العالمية صوتها وصورتها ورعبها وحزنها. لا يختلف الحزن بين سماء منهاتن و سماء لبنان وفلسطين والعراق والصومال وافغانستان وسماء فيتنام، طعم الحزن الانساني واحد، فلماذا يفترق الى هذا الحد؟ لا ننفي آلام وجراح واحزان ومصاب الذين هوت فوق رؤوسهم الكارثة في سبتمبر اميركا، ولا نجردهم من حق الحزن، لكن نتأمل المعادلة فنجدها لا تستقيم، هناك من يموت ويقلب موته الدنيا ولا يقعدها ويهدر في الطريق الى ثأره دم الابرياء وهناك من يموت ولا تتحرك في العالم ذرة ضمير. لا نلوم احدا لا في الشرق ولا في الغرب ولا في الشمال ولا في الجنوب .. لكننا نقول فقط..الله المستعان.