مما يعرفه الجميع ان الشعب الاميركي اصيب بالصدمة «Tranma» نتيجة الحادثة المروعة التي ألمت به إثر ضرب برج التجارة العالمي، وجزء من البنتاغون. هذه الصدمة التي افقدت الشعب توازنه، واصابته بحالة من الذهول والفوضى والرغبة الشديدة في الانتقام جراء ما حدث له، نتج عنها انعدام في القدرة على اتخاذ الرد الايجابي الصحيح الذي ينبني على استقراء أسباب تلك الكارثة المدوية، والعوامل التي ادت اليها!! كما ان الذهول والشعور بالصدمة تجاوز المجتمع الاميركي الذي تضرر بشكل مباشر، الى مناطق ساخنة من العالم مازالت تعاني بدورها من آثار الصدمة، والشعور بالفزع والخوف والتوجس من خطر قادم من داخل البيت الابيض كنوع من الانتقام والتأديب، او من خطر تدهور العلاقة بين الشرق والغرب على العديد من المستويات والمحاور. ولاشك ان ترميم العلاقة بين الشرق والغرب هو احد الخيارات البارزة التي يجب ان تتصدر قائمة اعمال الحكومات والشعوب العربية في المرحلة الراهنة، من اجل اعادة بناء العلاقة بيننا وبين الغرب على اساس موضوعي يستحضر الجميع من خلاله النماذج السلوكية والقيم الحضارية، والمعايير الاخلاقية التي تربط بين الدول، والقادرة على ان توجه مسار العلاقات الدولية الوجهة التي تحفظ كرامة الجميع، وتحقق الامن بين الشعوب. ومن نافلة القول التذكير بان التخلص من آثار الصدمة التي خلفتها احداث الحادي عشر من سبتمبر اصبح اليوم مطلبا حياتيا اذا ما ارادت الشعوب العربية والمسلمة ان تحافظ على كياناتها السياسية وامنها واستقرارها. وأولى خطوات الخروج من نفق المحنة هي تفعيل العلاقة الثقافية بين شعوب هذه المنطقة وبين شعوب العالم الغربي، حيث كانت الثقافة ولا تزال تمثل قنطرة التواصل بين دول العالم اجمع. واذا كانت الحرب تفرق، فالثقافة المسئولة تجمع وتلم الشمل، وتستطيع ان تبدد سحب الغيوم الكثيفة التي تكاد تطبق على اهل هذا الكوكب الحزين!! كما انها تستطيع ان تغير خارطة العلاقات الاجتماعية في اتجاه توسيع مساحة الحوار، واضفاء قدر مناسب من الحرية على تبادل الخبرة الانسانية الضاربة في اعماق التاريخ، والتي لها حضورها واحترامها لدى الضمير الانساني بشكل عام، وفي مؤسسات احتضان الثقافة الحية التي تقف على رأسها الجامعات العريقة ومراكز البحث العلمي المختلفة. وقد كان حريا بصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة حفظه الله ان يكون سباقاً في هذا الميدان الحيوي الذي بات اليوم واكثر من اي وقت مضى البديل الحقيقي المرشح لاستيعاب مالدينا من مخزون حضاري قادر على تقديمنا لدول العالم بالصورة التي نريد. وقد كانت جولة سموه في جمهورية المانيا الاتحادية تهدف الى تحقيق هذا الهدف الكبير. وليس غريبا على شخص له مثل هذه الثقافة الواسعة ان يتجه تفكيره الى تفعيل العلاقة العلمية، وتجديد الدماء في اوصال الحقيقة التي تحتفي بها العقول المتفتحة في تلك القلاع الحصينة التي زارها سموه. وقد رأينا سموه عبر شاشة التلفاز وهو في مدينة «ماينز» الالمانية يتحدث عن اهدافه الطموحة في مد الجسور وتوثيق العلاقة بين جامعة الشارقة وجامعات المانيا الاتحادية. وفي مقابلة مع البعثة الاعلامية ابدى سموه حكمه القاطع بان «ماينز» مدينة تحب العرب والمسلمين، ولديها سجل حافل ومتنوع حول انجازات الحضارة العربية والاسلامية وهي تقدر هذه الحضارة وترنو اليها باعجاب شديد. كما اضاف سموه قائلاً: وهذه الجولة الهدف منها التعريف بنا وبحضارتنا وتراثنا، وهي بداية لجولات اخرى فرضتها علينا احداث الحادي عشر من سبتمبر، ويجب ألا نتوانى عن اداء واجبنا تجاه تبديد الاوهام والظنون التي باتت تحوم حولنا وحول معتقداتنا. ان هذه الرسالة الصريحة والواضحة المغزى ترنو الى تجسير العلاقة بين عقول العالم، ونوافذ الفكر، وقلاع المعرفة حيث الاجواء تكون نظيفة وصحية ومواتية، وهو ما ادركه هذا الحاكم الغيور على امته وتراثه وأبنائه.