«أبيض»: شابٌ عربي مسلم إذا نظرت إليه رأيت في وجههِ ملامحَ الرجولةِ والفتوة العربيةِ ولمحتَ فيه سيماءَ التدين والالتزام ، من غير تزمت ولا عجرفة ولا ازدراءٍ لسواهُ ممن لم يصلوا إلى ما وصل إليه من التزام، فما زاده التزامُه ولا معرفته بدينه إلا تواضعاً لخالقه الذي أورثهُ تواضعاً للخلق. إنه متدين، لكنه تدين السائر على طريق العلم والمعرفة بعلوم الدين والدنيا لا تدين الدراويش السائرين على طُرق التطرف أو الابتداع الذي إذا زاد أخرج عن طريق الملّةِ السوية. شابٌ إذا رأيته أكبرتَهُ وتذكرتَ برؤيته شباب الإسلام الأوائل الذين فتحوا الأرض شرقاً وغرباً، لا بحد السيف وحده كما يزعم الزاعمون ولكنهم فتحوا الفتوحات بأخلاقهم وما حملوه إلى العالم من علم أخرج الناس من الضلالة إلى الهداية. «أسود» شابٌ ليس له من العروبة إلا لسانه وليس له من إسلامه إلا انتسابه إليه بشهادة الميلاد، أما أخلاقه فأخلاق السوقَةِ والمتسكعين في الشوارع، وأما خلقه فاللهو والعبث والصرعات الزائفة التي يقلد بها الغرب والشرق، فهو مفتون بكل صرعة و«موضة» وافدة ولا يعرف من الغرب إلا افرازات المدنية الغربية من تقاليع وصرعات مصدرها أقذر شوارع الغرب وازقّة أميركا. أما الغرب صاحب العلوم والآداب والابتكارات فهو لا يعرف عنه شيئاً وان عرف كان أعجز من أن يقلّده في ذلك. وذلك لان الصرعات والموضات حبّات خَرَزٍ من البلاستيك وقشور، وتقليد القشور لا يحتاج إلى جهد وتعب وتعلم وبذل مال ووقت، أما العلم والأدب فجوهر مكنون والجوهر جواهر حقيقية والجواهر صعب تقليدها إلا بعلم وجهد ووقت. «أبيض» فَتاة عربية مسلمة تعتز بحجابها وعروبتها وإسلامها، العروبة والإسلام عندها أخلاق والتزام وتعامل وطلب للعلم وحياء، والحجاب عندها حجابان لا ينفك أحدهما عن الآخر، الأول وهو مبعث الثاني، أقول: الأول حجاب داخل الروح يحجبها عن كل ما يقدح في شرفها الذي هو جوهر إنسانيتها، فالمرأة بشرف نفسها وروحها وتعاليها وترفعها عن مزالق الضيّاع جوهرةٌ مَصُونةٌ. والثاني وهو حجاب بدنها الذي يصونها من تطفل المتطفلين من ذُباب البشر الذين لا يطوفون ولا يتساقطون إلا على كل قطعةِ حلوى مكشوفة في طريق الحياة، ولقد ضلت وغوت كل قائلةٍ بأن الحجاب حجاب الروح والعقل وحده، فحجاب الروح العاصم من الزلل والخطأ هو التزام المرأةِ بدينها ذلك الحجاب الذي لا حقيقة له إذا لم ينتج حجابَ البدن، فالروح جوهر والبدن وعاء والأعين المتطفلة لا تؤمن بالجوهر انها مصونة محفوظة في وعاء مكشوفٍ عارٍ لكل ناظرٍ مُتلَصص. «أسود» فَتاة عربية اللسان والجنسية مسلمة الديانة وليس لها من عروبتها ودينها إلا لسانها وانتسابها. أما منظرها فمنظر كل غربيةٍ متبرجةٍ تبيعُ للأعين مفاتنها ومحاسنها رخيصةً مبتذلةً وهي تظن ان في ذلك تطوراً ومدنية وحضارة. وانه لعجبٌ عُجاب ان تفعل نساء العرب المسلمين في هذه الأيام ما كان شعراء العرب قبل ألف سنة وليس فقهاء الأمة وملتزموها فحسب يَعُدونهُ عيبا وخروجاً على الآداب والأعراف، حتى قال أشهرهم وهو أبو الطيب المتنبي مادحاً بنات البادية العربية في حشمتهن وعدم تكسرهن في المشي والكلام وعدم صبغ وجوههن وترقيق حواجبهن تبرجاً: أفدي ظباء فلاةٍ ما عرفنَ بها مضغَ الكلامِ ولا صبغَ الحواجيب والأعجب من ذلك رضا رجالٍ طوالٍ ضخامٍ عن مسير فتياتهم في الشوارع عارياتٍ يكشفن كل مستورٍ إما بالرقيق أو بالضيق من الثياب ثم هم بعد ذلك يسمون أنفسهم عرباً مسلمين رجالاً. «أسود وأبيض» شاب «عريض المنكبين ضخم الجثة» يلبس نظارات سوداء صباحاً من طول السهر يدخل مطعماً هندياً وهو يحمل هاتفه المحمول نافخ الصدر يتبخترُ في مشيته ويفتح باب المطعم الهندي وكأنه يفتح بوابة الهند. لا أملك إذا رأيته إلا أن أتذكر فاتح الهند في عهد بني أمية ذلك الشاب الثقفي محمد بن القاسم الذي فتحها وعمره دون العشرين. وشتان بين فاتح الهند وفاتح مطعم هندي.