تعودنا على أن نقرأ خلال هذه الشهور الاخيرة عبارة «ما قبل... وما بعد 11 سبتمبر» وذلك في أي حديث عن سياسة او اقتصاد او اجتماع او استراتيجيا. وبالفعل كان ذلك التاريخ منعرجا حاسما بين عالمين وبين عهدين، وأحرى ان نؤرخ به بداية عصر جديد ومجهول. وعادة ما يقترن هذا التاريخ بصور ثلاث انطبعت من الفضائيات على الأذهان والمخيلات والوجدانات. صورة البرجين التوأمين لحظة اصطدام الطائرتين في حريق وانفجار عملاقين وصورة الرئيس بوش يعلن ان الانسانية انقسمت الى محور خير ومحور شر وكذلك صورة اسامة بن لادن يعلن عن انقسام العالم الى فسطاطين. واذا لاحظنا تطور الخطاب الاسلامي في أدبيات الامة نجده شذ عن قاعدة التغيير وواصل نفس المنطق دون اعتبار ما يسميه علماؤنا بفقه الأولويات او فقه المقاصد. بحيث نلائم خطابنا ـ لا ثوابتنا ـ حسب مقتضيات المرحلة الراهنة، فنخاطب العالم بلسان سماحة الاسلام ونحاول اقناع اصحاب الحضارات الاخرى بعدالة قضايانا ووجاهة مواقفنا واستعدادنا الفطري والشرعي للحوار.. وفي الوقت نفسه نسعى سعيا مشروعا لاكتساب القوة والمناعة وانجاز وحدة الكلمة والرؤية والتحليل. وإني أرى انه عوضا عن هذا النهج القويم، واصلنا تشغيل طاحونة الشيء المعتاد وطحن القضايا القديمة الممجوجة وخاصة حين نعيد الروح للحوار العقيم بين ما نسميه العلماني والاسلامي او التنويري والتقليدي دون اعتبار ان الظرف التاريخي الراهن يتطلب لغة جديدة ورؤية جديدة. ولعل لبعض الفضائيات العربية مسئولية في هذا الضياع حين تحول بعض المفكرين او المثقفين الى ديوك حلبة في حوارات تستهدف الاثارة لا الانارة.. وتستخدم الكلمات عوض الكلمات فتضل وتضل وتفرز الزبد الذي يذهب جفاء عوض ما ينفع الناس ويمكث في الارض ونكاد في هذا الفجر الطالع من القرن الحادي والعشرين ان نصف السنوات الخمسين الماضية بأنها في العالم العربي والاسلامي سنوات الصراع المرير المستحكم بين العلماني والاسلامي. ولم يقتصر الصراع المذكور على الصفوة المختصة الخبيرة بشئون السياسة والدين، بل افرد الصراع ظله على كل عملية التنمية في اقطارنا الجنوبية المتخلفة وعطل حركة التاريخ واستقرت في مجتمعاتنا ما سماه العالم الدكتور احمد كمال ابو المجد «حرباً اهلية ثقافية». وأعتقد ان هذا المصطلح خفيف اذا تعلق الأمر بأزمة الجزائر المستفحلة منذ بداية التسعينيات لأن ما يدور فيها ـ على فترات متفاوتة الحدة ـ هو حرب أهلية حقيقية وليست «ثقافية» متشابكة الفرقاء معقدة المنطلقات خطيرة النتائج. كتب أحمد كمال ابو المجد مشروعه الحضاري لفك الاشتباك بين الانظمة القائمة والحركات الاسلامية (مجلة وجهات نظر المصرية في مقالين طويلين صدرا أخيرا) وجاءت مواقفه جريئة رصينة ـ كعهدنا دائما مع افكار هذا العالم الحقوقي الضليع ـ رؤية واضحة مشرقة جاءت نتيجة قراءة معمقة للواقع العربي والاسلامي. وإني انصح كل زملائي الجامعيين وإخواني المهتمين بشأن المستقبل بأن يطلعوا على هذه الوثيقة الاساسية المختصرة ذات البصيرة الحضارية البعيدة. وقد عالج ابو المجد وجوه الخلل في التصادم بين العلماني والاسلامي وأرجع اسبابه الى سوء تفاهم اصلي ترجع جذوره الى مرحلة التحرر ومقاومة الاستعمار. وأكد بأن الاغلبية الساحقة من الشركات الاسلامية نشأت لمقاومة الاستعمار التنصيري الغربي الدخيل وحين استقلت الشعوب العربية والاسلامية وحلت النخب الوطنية الحاكمة لبناء النهضة، ظلت تلك الحركات تعتمد نفس منطلقات العنف بدون قراءة واقعية للخريطة الجيو ـ استراتيجية العالمية التي فرضت تحولات ثقافية واجتماعية لا سبيل للهروب منها على المجتمعات العربية والمسلمة. ولعل أخطاء تلك النخب الحاكمة كذلك (الناصرية والبورقيبية والبعثية على سبيل المثال) هي الخلط الكبير والقاسي بين حركات عنيفة باغية وحركات تأصيلية واعية. ومن هنا احتد الصراع خلال الخمسين سنة الاخيرة في معزل عن اي حوار عقلاني جاد وهاديء ورصين، وهربت المواقف جميعا الى التطرف والتعصب والعنف ـ المادي واللفظي. وضاعت اصوات المصلحين التنويريين وأصوات الاسلاميين التأصيليين وأصبح الحوار لاغيا وتغيرت معطيات العالم بالعولمة وثورة الاتصالات وطغيان النموذج الاميركي وجاءت الألفية الثالثة لتجد الدول المركزية في العالم العربي والاسلامي مصنفة ضمن الدول المتخلفة ـ بمعنى العجز عن الاستقلال التكنولوجي والصناعي والغذائي ـ او مصنفة في افضل الحالات ضمن الدول المؤهلة للتنمية المستديمة ولكنها ايضا المكبلة بالديون. (بنسبة غالبة هي دين مليار دولار لكل مليون مواطن) وبالطبع فإن مجرد رفع شعار الاسلام على راية السلطة لم يكن ضامنا للتقدم ولا حتى للهوية والأمن والاستقرار ـ كما هو الحال في السودان وبصورة أقسى في أفغانستان ـ بينما تقدمت دول عربية واسلامية خطوات كبرى على طريق التنمية دون ان ترفع الشعارات وكان أداؤها الاقتصادي افضل. بل كان قصب السبق لدول عربية جمعت بين الاصالة والحداثة. ويدعو احمد كمال ابو المجد الى تصحيح العلاقة بين الانظمة والحركات الاسلامية على اساس توحيد التوجه الحضاري على ضوء العولمة وتغيير أولويات الفقه المعاصر وتبني الاحترام العميق للحضارات الاخرى والأخذ منها واثراء الحضارة الانسانية بقيم التسامح والعدل والتضامن بعيدا عن التطرف والبغي وبذر الفتنة. فالفتنة اشد من القتل ومن الظلم ومن الخطأ. ولا سبيل إلا سبيل الحوار بالتي هي أحسن. وقد رأينا في بعض الحركات المنتسبة الى الاسلام زيغا واضحا عن الاسلام باعتناق مباديء التكفير واهدار دماء العلماء والمفكرين وبالتالي التحول الى مذاهب الفوضوية والعدمية التي لا تمت للفكر الاسلامي بأية صلة. وأنا مع احمد كمال ابو المجد في اعطاء قيمة الحرية بكل معانيها المنزلة العليا في الألفية الجديدة. الحرية المسئولة المكفولة التي نهضت بها الأمم المتحدة وظلت لدينا تلك الفريضة الغائبة الى حين. ـ أستاذ الاعلام ـ جامعة قطر Ahmed 2701@hotmail.com