يصدر الحكم بالاعدام على المتهم كخطوة أولى، وتكون الخطوة الثانية هي ان يبحث القاضي عن «أدلة» لتبرير الحكم. ولأنه لا توجد أدلة أصلاً فإن القاضي لا يجد بأساً في تلفيق أدلة ليبدو الحكم الصادر فعلاً وكأنه عادل. وإذا كانت ادارة الرئيس كلينتون قد أصدرت بناء على هذا النموذج حكماً بإعدام مصنع أدوية في السودان ونفّذت الحكم رمياً بالصواريخ، فإن ادارة خلفه الرئيس جورج بوش تعتزم الآن ـ تكراراً للنموذج ـ إعدام دولة بأسرها. قبل نحو أربعة أعوام بعثت ادارة كلينتون بصواريخ كروز الى مصنع «الشفاء» للأدوية في الخرطوم فمسحت به الأرض. وبعد الحادثة طلعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية برواية مفادها ان المصنع ينتج غاز «في اكس» الذي يدخل في تصنيع الأسلحة الكيماوية، وان صاحب رأسمال المصنع هو أسامة بن لادن. وعندما رفع محامو صاحب المصنع الحقيقي ـ رجل الأعمال السوداني صلاح ادريس ـ دعوى قضائية في المحاكم الأميركية اضطر رجال وزارة الدفاع الأميركية الى اجراء تسوية معه خارج اطار المحكمة دفعت اليه بموجبها تعويضاً مناسباً. فالرواية الاسطورية الملفقة من نسج الخيال الاستخباراتي بشأن «في اكس» وابن لادن ما كان لها لتصمد داخل محكمة في وجه استجوابات القاضي ومحامي الدفاع. لكن نهج التلفيق الاستخباراتي جزء لا يتجزأ من ثوابت السياسات الدولية للولايات المتحدة، لأن هذه الثوابت تنطوي على الدوام على أهداف غير مشروعة. لذا فإن ما جرى لمصنع الأدوية السوداني سوف ينطبق على العراق، لكن بالطبع بحجم أضخم. كان الهدف وراء ضرب المصنع السوداني تأديب النظام الحاكم في السودان لانتهاجه سياسة خارجية مستقلة على غرار ما جرى قبل ذلك لمصر عبدالناصر وكوبا كاسترو وصين ماو، والهدف من ضرب العراق المرتقب ينطلق من اعتبارات الصراع العربي الاسرائيلي بما في ذلك ضمان أمن الدولة اليهودية وضمان أن تصير القوة المتفوقة على الجميع في منطقة الشرق الأوسط دون منازع أو منافس. وتدرك واشنطن ان عراقاً متحرراً من قيد العقوبات الدولية سوف يكون في مقدمة المنازعين والمنافسين الذين يشكلون خطراً ما حقاً على تفوق اسرائيل، بل وبقائها. ولأنه ليس بوسع واشنطن ان تفصح عن هذا السبب الحقيقي لاستهداف العراق دون ان تفضح نواياها تجاه مصير الأمة العربية فليس أمامها خيار سوى اللجوء الى تلفيق روايات وعرضها على العالم كأدلة. لكن ما عرضته ادارة بوش حتى الآن لا يثير إلا الاشمئزاز لأنه يعكس استخفافاً بالعقول. «السعي لامتلاك» أسلحة دمار شامل هو المحور الذي تدور حوله قصص الخيال الاستخباراتي الأميركي. وعندما بدأ بث هذه القصص الخيالية قبل بضعة شهور كانت الفرضية الأساسية التي بُنيت عليها فيما يبدو هي ان بغداد لن تتزحزح اطلاقاً عن رفضها المتصلب لعودة الفرق الدولية للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. ولذا فإن ادارة بوش ظلت تقول للعالم على خلفية الاتهامات الملفقة ضد العراق، ان إصرار الحكومة العراقية على منع عودة فرق التفتيش يعني ان لدى العراق ما يريد ان يخفيه، وبالتالي فإن الاتهامات الاميركية صحيحة. لكن واشنطن وجدت نفسها في ورطة عندما عدلت الحكومة العراقية موقفها وأعلنت ان اعتراضها على عودة المفتشين ليس من حيث المبدأ. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من مسلسل التلفيق الأميركي محورها انه حتى لو سمح العراق بعودة المفتشين فإن الرئيس بوش توصل الى «قناعة» باسقاط النظام العراقي! هكذا اضطرت واشنطن الى كشف أوراقها الحقيقية، فرأس العراق مطلوب كهدف أميركي ثابت بصرف النظر عن أسلحة الدمار الشامل، فهي ذريعة وليست سبباً حقيقياً. ومع تعاظم المعارضة الدولية لضرب العراق ازداد ارتباك ادارة بوش فانزلقت من حضيض الكذب الموارب الى حضيض الكذب الصريح، فالرئيس صدام حسين «استقبل» ابن لادن خلال عقد الثمانينيات. وفي رواية أخرى «التقى» الرئيس العراقي مع محمد عطا، أحد الذين تقول واشنطن انهم ضربوا برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. ويقول صاحب هذه الرواية الأخيرة ريتشارد بيرل، أحد كبار المسئولين في وزارة الدفاع الأميركية: «نحن نملك أدلة على ذلك».. لكنه لا يقول لنا لماذا لا تنشر الادارة الأميركية هذه الأدلة أو لماذا لم تزود بها الحكومات الأخرى عن طريق القنوات الدبلوماسية.