بعد انتهاء الحرب من أجل إلغاء العبودية في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1865 أوقعت احتكارات كبيرة العالم، في شركتها ويحقق كل منها أرباحاً تزيد على دخل عدة دول فقيرة، وتتمركز السوق العالمية حول الولايات المتحدة يجمعها تركيز عالمي للقوة العسكرية. ومع العولمة دخل العالم مرحلة من نموه قد تصبح الحرب فيها جائرة تسبب في تدمير أغلبية البشرية والاستغلال العبودي للقسم الباقي باسم ضمان حياة رائعة من المجتمع الأميركي وبلدان أخرى، وفي هذا السياق يمكن تذكر كلمات كارل فون كلاسويتز «إذا كانت الحرب تابعة للسياسة فإنها تتخذ طابعها فكلما كانت السياسة أقوى وأكبر كانت الحرب أقوى وأكبر حتى ترتفع في النهاية إلى ذروة شكلها المطلق». فالخطوط الرئيسية للفكر السياسي للمنهج المتشدد في الإدارة الجمهورية وكما يعبر عنها أقطابها المعروفون تشيني، رامسفيلد، وولفويتز في طروحاتهم التي تتضمن إن الشئون العالمية هي صدام أنظمة تجري بين دول تتنافس ليس فقط من أجل مصالحها بل بين تيارات سياسية أوسع وأشمل وإن المحافظين الجدد يتهمون من يسمونهم أنصار السياسة الواقعية في السياسة الأميركية بالفشل لدفع العالم لقبول الأفكار والقيم الأميركية المسوقة من خلال العولمة التي تشكل ظاهرة مسيطرة في عالم اليوم. وبذلك فإنه لا يوجد مخرج سهل من مستنقع الإرهاب الوحشي الذي يتحدى العالم اليوم وحان الوقت الآن لكي يحتفظ الجنس البشري بهدوئه وينقب في ينابيع حكمته الجماعية القديمة فيها والحديثة فما حدث في 11 سبتمبر قد يغير العالم وإلى الأبد واكتسبت كلمات مثل الحرية والتقدم والثروة والتكنولوجيا معنيً جديداً. وبعد أيام قليلة من الأحداث تحدث بوش في مكتب التحقيقات الفيدرالي بقوله : «هذه رسالتنا، هذه رسالة الولايات المتحدة الأميركية أكثر بلدان العالم حرية، البلد المبني على القيم الأساسية التي ترفض الكراهية وترفض العنف وترفض القتلة وترفض الشر لن تكل» في حين إذا استعرضنا الدول التي قصفتها وحاربتها أميركا منذ الحرب العالمية الثانية وإلى اليوم نجد عشرات الدول التي تعرضت للغزو والإرهاب الأميركي ومنها : الصين، وكوريا، وغواتيمالا وأندونيسيا وكوبا، والبيرو، ولاووس وفيتنام وكمبوديا وغرينادا وليبيا، ونيكارغوا، وبنما، والعراق والبوسنة والسودان ويوغسلافيا وأفغانستان... فإذا كانت أميركا كما تزعم أنها تضمن التمتع بأكبر قدر ممكن من الحرية فما هي الحريات والإخضاع لخدمة أميركا في السوق الحرة. تقول الكاتبة الهندية أروندهاتي روي : عندما تمنح الولايات المتحدة الحرب اسم عملية العدالة المطلقة أو عملية الحرية الدائمة نشعر نحن في العالم الثالث بأكثر من رعشة خوف لأننا نعلم ان العدالة المطلقة للبعض تعني ظلماً مطلقاً للآخرين والحرية الدائمة للبعض تعني الإذلال الدائم للآخرين. ويقول ديفد ديوك نائب لويزيانا السابق ورئيس منظمة الوحدة والحقوق الأوربية الأميركية : إن السبب الحقيقي لتعرضنا لإرهاب الهجوم على مركز التجارة العالمي بسيط جداً. لقد خان الكثير من السياسيين الأميركيين الشعب الأميركي بغدر بدعمهم لأكبر دولة إرهابية في العالم وهي إسرائيل. ويضيف ديوك قائلاً : لا يستطيع الإعلام الأميركي والحكومة الأميركية الجمع بين أمرين فإذا كان دافعهما الهجوم على أفغانستان باعتبارها من وجهة نظرها عوناً وملاذاً للإرهابيين فمن الطبيعي أن يجد بعض الفلسطينيين دافعاً لمهاجمة أميركا لمساعدتها ودعمها العسكري لإسرائيل وهي دولة ارتكبت إرهاباً قاسياً ضدهم. والائتلاف الدولي ضد الإرهاب هو إلى حد كبير عصبة من أغنى بلدان العالم وهي التي تصنع وتبيع كل أسلحة العالم تقريباً وتملك أكبر مخزون احتياطي من أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية والنووية وقاتلت في معظم الحروب وتسببت في معظم الإبادة الجماعية والإخضاع والتطهير الإثني وانتهاكات حقوق الإنسان في التاريخ المعاصر وقد رعت وسلّحت وموّلت أعداداً لا تعد ولا تحصى من الديكتاتوريين والطغاة وهي التي بجلت بل ألهبت تقريباً العنف والحرب. وعلى الرغم من كل آثامها المرعبة لا تعتبر طالبان في العصبة نفسها والسلطات الأميركية تنوي اتهام الآخرين، إنها لن تؤخذ على حين غرة مرة أخرى وطبيعي أن يفهم العالم القلق المسيطر على الضفة الغربية من الأطلسي وازدياد التحذيرات هناك، بيد ان بوش يكون قد خاطر بمصداقيته لأنه لم يحقق نصره على الإرهاب عبر إضاءته إشارة الخطر الحمراء وبالتالي فإن كثرة الإنذارات والتحذيرات المتكررة أعيت الشعب الأميركي، وحسب تعبير الصحافة الأميركية فإن كثرة الإنذارات تقتل الإنذارات وكما تقول صحيفة اللوفيغارو : «إن الانتصار على الإرهاب يجب ألا يتكرّس فقط بإلقاء القبض على أسامة بن لادن وشبكته ففي تلك الحالة لن يقود الفشل إلا إلى الفوضى وعدم الأمن والتوتر النفسي وينبغي على الولايات المتحدة أن تعالج مسببات مشكلة الإرهاب من أعماقها وأن تنتصر في معركة المبادئ والأفكار وهكذا فإنها ستلقى الأمن والطمأنينة وتعود إلى لعب دورها في قضايا العالم». وهكذا فإن تكتيك بوش كمناورة فكرية سياسة إعلامية هي بمثابة عملية استعراض قوة في مناطق مختلفة من العالم بذريعة تطبيق الديمقراطية التي لا يمكن الجدل حول مدى أهميتها بحد ذاتها وهذا الطرح الجديد يراد منه أن يقع معارضو سياسة الإدارة الأميركية في الخطأ لأنهم إذا عارضوه فهم سيعارضون الديمقراطية وتطبيقها إن كان في الشرق الأوسط أو سواه من المناطق في العالم ولعله يشكل غطاء لتوني بلير وقادة الغرب الآخرين الذين يمكن إقناعهم لدعم حرب ضد العراق، لكن توجد أسباب كثيرة في هذا المجال تدعو للقلق وأحدها إن ويلسونية أو ديمقراطية بوش مشوهة ومقوضة بسبب عدوانية مسئولين كثر في الإدارة الأميركية تجاه مسألة بناء الدول التي تدمرها الولايات المتحدة بذريعة بناء نظام ديمقراطي على أنقاض نظام تحاربه واشنطن وانعكست هذه العدوانية في اختلاف الرؤية حول أفغانستان سياسياً وعسكرياً ومادياً قبل مهاجمة القاعدة وطالبان. لقد كانت التدخلات العسكرية بشئون الدول الأخرى تتم في الماضي بذرائع العمل من أجل مصالح هذه الدول لكن معظم الأوقات كانت المصالح تذهب للمحتلين الاستعماريين وينتج أيضاً عن هذه التدخلات دائرة مستمرة من المآسي الإنسانية ومع إدارك إن سجل الدول الاستعمارية المستمرة في تحدياتها كان معظم الأحيان مخيفاً فيجب ألا ننسى اليوم إن هذه القوى غالباً هي مؤذية وضارة فإذا كان الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م قد أساء إلى صورة العرب والمسلمين أبلغ الإساءة ففي السابع عشر من سبتمبر أيضاً عام 1948 م كان اغتيال الكونت برنادوت الموظف الدولي وهو على رأس عمله برصاص عصابة من ثلاثة أشخاص مجرمين وكان بينهم شامير الذي أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء اسرائيل وقد أظهر وزير الخارجية السورية صورته في مؤتمر مدريد مطلوباً للعدالة وكانت الإدارة الأميركية تقول بضرورة قيام دولة فلسطينية لكنها لم تحدد كيف ومتى ولم تعلن عن أية خطوة بهذا الاتجاه، وكل ما طرحته إنما هو سلسلة من الشروط التعجيزية المبهمة التي لا تخدم بالمحصلة السلام المستند إلى الشرعية الدولية وقراراتها. المناخ الأميركي السائد بعد أحداث سبتمبر لا يشجع على الحوار ويرفض وجهات نظر الحلفاء الأوروبيين سواء كان ثنائياً أو في إطار حلف شمال الأطلسي حتى آراء الدول العربية والإسلامية مرفوضة عند الإدارة الأميركية ففريق بوش مستمر في مواقفه وقناعاته الاستراتيجية ولا يقبل أي تشكيك بها من أي طرف في العالم. إن القس فرانكلين غراهام الذي قاد الدعاء الكنسي في حفل تنصيب الرئيس بوش إنما يصر دائماً في عظاته وكلماته على إن «الإسلام» ديانة شريرة وإن التيار الغالب في الإسلام إنما يدعو إلى العنف ضد غير المسلمين. إن الإسلام قد أظهر احتراماً عالياً للحياة وحقوق الإنسان فيها وحرم الانتحار وأكد القرآن منذ البدء تقدير الإسلام للحياة والإنسانية في آيات جلية وواضحة وكان معظم مفكّري النهضة والتجديد في الإسلام دعاة للانفتاح على التقدم الحضاري في الغرب من شيوخ الأزهر والنجف إلى عمداء الجامعات العربية رغم وطأة الاستعمار الأوروبي، وفيما يتعلق بموقف العرب والمسلمين حيال الولايات المتحدة بالذات فقد ظل قادتهم البارزون إلى منتصف القرن العشرين من الملك عبد العزيز آل سعود إلى الرئيس جمال عبد الناصر يميزان بين السياسات الأوروبية والسياسة الأميركية التي اعتبرت حينئذ مستقلة وأقرب إلى الموضوعية والرغبة في التعامل المتكافئ وبقيت مبادئ الثورة الأميركية وقيمها الدستورية والديمقراطية مصدر إلهام للكثيرين في العالم الإسلامي، وهنا لابد للجميع وعلى الأخص الأميركيون والأوروبيون أن يواجهوا حقيقة من حقائق التاريخ المعاصر وهي أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد عملت على تخريب هذا الرصيد من العلاقات والصداقة والإعجاب الفكري والحضاري لدى العرب حيال الولايات المتحدة وأوروبا وثمة أدلة مؤكدة تثبت ذلك إلى حد تفجير المراكز الثقافية الأميركية في العواصم العربية بايحاء إسرائيلي للوقيعة بين العرب والأميركيين وعلى من يهمهم الأمر التنبه إلى إن هذا النهج الإسرائيلي مازال مستمراً. ما يمكن التأكيد عليه إن توجهات الإسلام والمسيحية تحمل المبادئ السماوية للدفاع عن الحق وحق الإنسان في العدل، وتبدو اليوم الحاجة الملحة في عصرنا إلى توحيد جهود المسلمين والمسيحيين في السعي إلى ترسيخ العدل والدفاع عن كينونته الإنسانية الخاصة، وإنه لا يمكن أن نتصور في المجتمع والطبيعة عدلاً ليس حقاً ولا نتصور حقاً ليس عدلاً فالعدل هو الحق في مجال الفكر والواقع السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي بوجه عام فهل ترتدع إدارة بوش لتدع كل إنسان يأخذ حقه فالعدل هو الحقيقة الكبرى التي يقوم عليها النظام الكوني المستقر وإذا كان العدل ثابتاً في النظام الكوني فإن الديانات السماوية اعتبرت أن العدل في النظام البشري مسئولية الإنسان تعبيراً عن حريته وقدرته على إكمال هذه الحرية. ـ كاتب سوري