اليوم هو الحادي عشر من سبتمبر حيث تقدم الذاكرة كشفا سريعا بالخسائر الباهظة التي تكلفتها امة المليار مسلم بشكل عام. وكلفتنا نحن العرب ضريبة باهظة رغم ان دولنا كانت من اوائل دول العالم التي سارعت بالتبرؤ من هذا العمل، او الموافقة عليه. والمرء لا يحتاج في مثل هذا اليوم الى كثير جهد لكي يحصي الاوجاع والآلام التي تسببت فيها هذه الحادثة التي هزت ارجاء المعمورة، وجعلت التاريخ المعاصر يؤرخ لحقبتين من الزمن حدثت بينهما نقلة مذهلة في ميزان العلاقات الدولية ادت الى نتائج بالغة الدقة والخطورة في العديد من دول العالم. ولقد شاء القدر ان توضع هذه المنطقة في بؤرة الاتهام الصريح بالتسبب في احداث الحادي عشر من سبتمبر، الذي قلب الحسابات، واعاد مفهوم استخدام القوة المادية الباطشة في التخلص من الخصوم بعيداً عن سياسات الاحتواء او غض الطرف او تأجيل المواجهة العسكرية، التي شهدتها حقبة ما بعد انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة من جهة والاتحاد السوفييتي من جهة ثانية، الذي تحلل ذاتيا، وآثر الرحيل لا عن المنافسة التقليدية مع الولايات المتحدة فحسب، وانما لجأ الى تغيير بنيته الجغرافية، ومكوناته التاريخية حين انقسم الى دويلات ممزقة تعاني من ويلات الامس الذاهب، وتدفع فاتورة التخبط السياسي والاداري والايديولوجي كذلك!! وقد صار واضحاً لدى الجميع طبيعة المرحلة الجديدة التي حدث فيها هذا الزلزال الكبير وما نتج عنه من الآثار التي يدعو كل عقلاء العالم، وحكماء الارض ان تكون اوضاعا استثنائية، مؤقتة بزمن محدد، يمكن بعدها ان يلتقط العالم انفاسه من جديد، ويذهب بعيداً في مجال العمل من اجل ارساء مباديء العدالة والمساواة بين البشر، التي اكدتها اديان السماء، واعلنتها مواثيق حقوق الانسان الدولية. وطبيعة المواجهة مع حجم الاتهام الكبير تدعونا لتأمل دروس هذه التجربة الجديدة، والوقوف على اسبابها ونتائجها التي لامستنا عن قرب، والتي لا ندري الى اين ينتهي بها المطاف بعد ان اصبح التجوال والوقوف على خصوصيات الشعوب افراداً وانظمة سياسية او ثقافية امراً مستساغاً ومبرراً لدى الساسة الجدد في واشنطن. ولان ذاكرة الشعب الاميركي، وبالاخص جهاز الحكم الحالي، لا تعترف بمنطق المعالجة الشاملة التي تستوعب دروس الصدمة، وتبحث في اسبابها وتتقصى عن عللها ومنابعها، فقد كان متوقعاً رفع تلك الشعارات المتسيدة التي ألهبت الضمير العالمي، واشعرته بالخور والجبن امام التصدي لهذه الروح الصدامية التي لا ترى امامها الا خيار القوة الباطشة، وتسقط من حساباتها الخيارات الاخرى، التي من شأنها التخفيف من الاحتقان الحالي البالغ حد الانفجار والتدمير والفتك!! فلو انعش الساسة الحاليون من اعضاء الادارة الاميركية جزءا من ذاكرتهم المخدرة من جراء الصدمة التي مضى عليها عام، وعادوا الى اوراقهم القديمة يستلهمون منها الحكمة، ويبنون على اساسها ردود الافعال، لوجدوا أنهم بالغوا في السير في خط العدوان الى المدى البعيد. من تلك الاوراق المهمة ما سجله الرئيس توماس جفرسون «1801/1809» عن توقعاته تجاه المكانة السياسية التي ستنالها الولايات المتحدة في المستقبل. حيث كتب قائلاً: في وقت ليس ببعيد سوف نرفع عصا الطاعة فوق رؤوس الجميع، ليرتعد اقواهم، لكنني آمل ان تنمو حكمتنا بالتوازي مع قوتنا، فكلما استعملنا قوتنا اقل، كانت هذه القوة افعل. ولو ظن الاميركان ان استخدام القوة المتناهية سوف يحمي امبراطوريتهم التي تتناوشها الإخفاقات الادارية، والمشاكل الاخلاقية، والاحباطات الاجتماعية، والتفرقة العنصرية، وسوء توزيع الموارد المالية، فانهم يكونون واهمين!! لان المؤشرات العامة تدل على تدهور ملحوظ في العديد من نواحي الحياة لديهم!! كما ان السير في هذا الاتجاه العدواني هو نوع من الهروب من مواجهة الازمات الداخلية التي يعجز امثال بوش عن حلها!! كل الذي نستطيع قوله في احداث الحادي عشر من سبتمبر ان اميركا تهرب اليوم من مواجهة نفسها الى الصدام معنا، ولذلك فان فاتورة هذه المغامرات المتتالية سوف يشترك الجميع في سدادها، سواء كان ذلك في الأمد القريب، ام الأمد البعيد حين يكثر اعداء اميركا الى الدرجة التي تتجاوز حد السيطرة او احتواء العواقب الوخيمة القادمة!!