ـ يعرفون من أين تؤكل الكتف.. وأكل الكتف بالمعنى المقصود، يحتاج الى خبرة ودراية، وغالباً الى نظرة لا ينقصها قليل او كثير من الخبث المخلوط بالخداع، والمقصود طبعاً ليس الاكل المادي في المعنى، بل هو الامر المعنوي، او المقصود هو المغزى من مقولة «يعرف كيف تؤكل الكتف». فالذي يعرف كيف يسلك دربه، ويستفيد مرة، ويستغل من حوله مائة مرة، لتحقيق هدفه الشخصي الذي غالباً ما يحيطه ويحميه بدعوى انه هدف عام، ويردد انه مصلحة وطنية، كما يحدث في مواقف كثيرة، فيقال عنه انه عرف من أين تؤكل الكتف! ـ صور كثيرة في مجتمعنا تنطق سراً وجهراً، بالمعنى المراد من مقولة اكل الكتف، بل ان هذه الصور صار لها الغلبة، بسبب شيوعها وانتشارها، حتى اصبحت لها الصدارة على ما سواها، الى درجة كثر فيها الكلام، وشاع عن الذين يعرفون كيف تؤكل الكتف، او من أين تؤكل الكتف، وغاب بعيداً، اولئك الذين لا يعرفون من أين تؤكل؟ ـ في جلسة ساخنة، صب مسئول بركان غضبه، في وجه احدهم، وكال له بلا هوادة، والمسكين كان رابط الجأش، ثابت الموقف والرأي، حاول ان يبين ان المصلحة الحقيقية هي المصلحة المستقبلية، وليس المصلحة الآنية، فليس المهم ان تبدو الصورة الآن وردية، بل المهم الا تتحول الصورة الوردية الى صورة جهنمية في المستقبل، ولعله كان يحسب للغد، في الوقت الذي كان غيره يحسب لليوم.. سمع همسات من حوله «محد قاله، كان لازم يعرف شو يقول»، وهمس آخر من جانب ثان «مسكين، ما يعرف كيف يتصرف في مثل هذا الموقف»، ورغم ذلك اصر صاحبنا على ان الصورة في المستقبل لن تكون وردية، وكان لسان حاله يقول: هذا حتى وان .... وصمت، بالجهل بمعرفة كيف تؤكل الكتف وأدعو الله ان تثبت الأيام خطأ رأيي وإلا فهي كارثة!! ـ قبل اجتماع مهم له علاقة مباشرة بمشاريع مستقبلية، وعلى درجة عالية من الاهمية وخلال دردشة جانبية جمعت عدداً من المعنيين بالاجتماع قبل بدايته، ساد بينهم الترقب، وكثر اجتهادهم، وتعددت واختلفت آراؤهم حول البنود المطروحة في جدول اعمال الاجتماع وبادر أحدهم أصحابه قائلاً: انصحكم بسياسة «اربط الحمار في المكان الذي يريده صاحبه» والواقع ان هذه السياسة ان صح ان نقول عنها كذلك، هي الخندق الذي يتربص به كل العارفين بالكتف والمكان، الذي تؤكل منه! وكل الخوف ان تكون هي السياسة، التي سنرث من ورائها كل الصور الجهنمية، التي نخاف ان يحملها الينا المستقبل! ـ يقال ان سيب بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، ابان أزمته مع أمين السر العام في الاتحاد، والقضية التي انشغل بها العالم كما ينشغل اليوم بالقضايا المهمة، جمع الاول موظفي الاتحاد، وعقد معهم اجتماعاً ليستمع منهم لآرائهم في التقرير الذي اعده الامين وقد تحدث البعض وسكت البعض الآخر ثم تحدث الرئيس موضحاً رأيه والاجراءات التي سيتخذها بشأن التقرير وصاحبه. بعدها طلب عدد من الذين سكتوا في البداية التحدث، واستمع لهم جميعاً وكانت آراؤهم تمجد توجه الرئيس وحكمته في معالجة الموقف، واشادوا ببعد نظره، وبعدما انتهوا جميعاً، بادرهم الرئيس، انه ليس بحاجة الى كل ما سمعه منهم، بعد ان عرفوا ما خطط له، وكأنه قطع عليهم الطريق حتى لا يأكلوا كتفه!! ـ سمعت ان دولة، طبقت قانون من اين لك هذا، وهو قانون بسيط وسهل للغاية في اجراءاته واحكامه، لكن فيه خيراً كثيراً اذا ما أحسن تطبيق اجراءاته ونفذت احكامه بلا تمييز وبدون محسوبيات، فالمطلوب ليس اكثر من ان من يتولى «وظيفة عامة في الدولة» عليه ان يقدم كشفاً يبين فيه ما يملك من منقولات وعقارات وحسابات مالية داخل البلاد وخارجها لحظة استلامه هذه الوظيفة، واذا ما ظهرت على الموظف اثار للثراء بأي صورة من الصور، يبدأ البحث ان كان هذا الموظف قد استفاد او استغل وظيفته بأي شكل، او كانت مهام وصلاحيات وظيفته المقرة في خدمة البلاد قد وظفها بأي صورة لخدمة مصالحه، وهنا تبدأ متابعة ومراجعة حالته، قبل استلام الوظيفة وحالته بعدها.. وعندما قامت اجهزة هذه الدولة بمتابعة تنفيذ اجراءات هذا القانون، كشفت عن تجاوزات مخيفة في استغلال «الوظيفة العامة» للحساب الخاص.. والغريب كما ذكر لي صديق متابع ومهتم بسيادة وقانون من اين لك هذا، ان القاسم المشترك الذي جمع اكثر الحالات، أبطالها يعتزون كثيراً بأنهم كانوا يعرفون من أين تؤكل الكتف، لكن تطبيق وتنفيذ اجراءاته دون استثناء من اي نوع، جعل ما أكلوه وبالاً عليهم، واصبحوا درساً وعبرة لغيرهم، لكن المهم ان يكون هناك قانون، وتكون هناك ارادة لتنفيذ وتطبيق احكامه، نحن لا نبحث عن المدينة الفاضلة، لكننا نحلم الا تكون صور المستقبل على غير ما نحلم به لأبنائنا وللأجيال المقبلة.