قبل أيام قرأت خبراً طيرته وكالات الانباء من سراييفو مفاده ان مجموعة من الصحفيين والسياسيين في البوسنة نظموا مباراة في شد الحبل بمدينة توزلا، وبعد جولات من تبادل الطرفين عملية الجر، تمكن فريق الصحفيين المكون من 5 افراد معظمهم من الشباب التغلب على نظيره فريق السياسيين الذي سقط بعض عناصره على ركبتيه من شدة التعب ومحاولة تحاشي الهزيمة. ما سبق ليس هو الحدث فمثل هذه اللقاءات تحدث في اماكن كثيرة، لكن الخبر هو ما قاله مازحاً احد اعضاء فريق السياسيين المهزومين للصحافيين: «كيف توقعوننا ارضاً امام كل هذا الجمهور والانتخابات على الابواب في اكتوبر، لو كنا في دولة بالعالم الثالث لعرفنا كيف نؤدبكم». بعد قراءة هذا الخبر لم املك الا اطلاق ضحكة عالية ممزوجة بالمرارة والأسى، وبدأت اتخيل فعلاً ان هذه المباراة الترفيهية جرت في بعض دول العالم الثالث. أولاً لو وافق السياسيون على ممارسة اي نوع من الرياضة مع الصحفيين في بعض عالمنا الثالث فتلك معجزة، فهؤلاء السياسيون يعتقدون انهم مخلوقون من طينة مختلفة عن كل ما عداها من البشر. لكن اذا تحققت المعجزة واقيمت المباراة، فالفوز الكاسح مضمون للسياسيين، ليس ذلك فقط، بل المؤكد هو أن الصحفيين سيكتبون في صحفهم لفترة طويلة عن اللياقة المرتفعة للسياسيين، وقدرتهم على اتباع افضل انواع التكتيك والاستراتيجية حتى تحقيق الفوز، وكيف ان مهاراتهم الفتية تصلح كي يمثلوا بلدانهم في كأس العالم والدورات الاولمبية والقارية والاقليمية وكل انواع البطولات حتى الباذنجانية. وخلال المباراة المفترضة سيظل الجمهور الذي تم جمعه واحضاره من المدارس والمؤسسات الحكومية قهراً ـ يردد الهتافات المشجعة للسياسيين وتوجيه أقذع انواع الشتائم للصحفيين المشاغبين الذين يحاولون التشكيك في قدرة السياسيين على البذل والعطاء ليس فقط في ميادين العمل بل على «النجيل الاخضر». وفي دولة ما بالعالم الثالث سأترك لكل قاريء تخمين من هي، ربما تلجأ السلطات الى اعدام الصحفيين بعد مباراة مثل تلك التي جرت في البوسنة. وقد يسأل البعض لماذا الاعدام؟ وتقديري ان السلطات سترد بأن الصحفيين تجرؤوا على مواجهة السياسيين كتفا بكتف وتلك جريمة، واذا انهزموا في اللقاء فتلك جريمة اخرى تؤكد عدم قدرتهم البدنية على نقل المعلومات من اعلى لاسفل، اما لو فازوا، فالجريمة اعظم لانه «كيف يمكن ان تعلو العين على الحاجب»؟ ومن الهزل الى الجد فالمعروف ان العلاقة بين السياسي والصحفي في غالبية بلدان العالم الثالث مازالت ملتبسة منذ نشأة وسائل الاعلام، الصحفي يسعى الى الحقيقة والسياسي يريده ناقلاً للحقيقة التي يراها هو فقط، الصحفي يريد أن يكون صوت شعبه وامته، والسياسي يراه مجرد «مبيض وملمع» لوجه السياسي والجهة أو المؤسسة التي يرأسها.. الحكومة أو الدولة العالم ثالثية تحدد سقفاً للصحفي عليه ألا يتجاوزه، البعض يلتزم بذلك بل وينحني اكثر، والبعض الاخر من الصحفيين يظل يحفر بأظافره كي يكسب، يعلو بالسقف ولو سنتيمتر، قد يتعرض لارتطام رأسه بالسقف وربما انفجاره لكن يكفيه شرف المحاولة. وبالطبع فالعلاقة بين الصحفي والسياسي ليست علاقة من نوع «الخير والشر» فهناك سياسيون شرفاء كثر مثلما هناك بعض الصحفيين الفاسدين، لكن جوهر العلاقة بين الطرفين في كل العالم كان ولايزال اقرب لعلاقة ناقر ونقير أو شد الحبل كما جرى في البوسنة فعلا اي طرفين لا يمكن ان يكونا على وفاق دائم حتى لو ارادا ذلك. لكن الفارق انه في العالم المتقدم أي العالم الأول، يستطيع الصحفي أن «يجرجر» رئيسا لدولة مثل اميركا في المحاكم بتهمة تحويل البيت الابيض الى ماخور، ويخرج كلينتون من الحكم ويتم تكريم الصحفي بأرفع الاوسمة، وينام في منزله دون خوف من الاذى والقتل، اما في العالم الثالث فالصحفي امامه خياران فقط، اما الكتابة طبقا لما يريده السياسي وبالتالي ينام في منزله قرير العين، او الرفض والنوم في مقبرة، أو ربما في مكان لن يعرفه احد، لان «مفرمة» السياسي لا تبقي شيئاً من عظام الصحفي. نعود الى ما بدأنا به حيث اعرب احد الصحفيين في الفريق البوسني الفائز بالقول ان «الانتصار في المباراة الترفيهية هو تجسيد لحقيقة موجودة في المجتمعات المتقدمة وهي أن الصحافة دائماً أقوى من السياسة». وإذا كنا كعرب نتمنى أن نصل يوماً ما الى مصاف الدول المتقدمة فاننا نحمد الله كثيراً اننا لسنا من العالم الثالث. واذا سأل أحد، ومن أي عالم نحن؟ أقول: نحن من العالم الآخر!!