حوالي التاسعة مساء أجلس إلى المكتب، بداية الأسبوع. دائما أفضل العمل بجدية حتى ساعة متأخرة من الليل. عندما أبدأ الأسبوع بجدية آمل أن تتوالى الأيام بنفس النسق، فجأة.. تسري دمدمة، ترتجف الأرض ،مصدر الرجفة كوني. هائل، لا يمكن تحديده، تتصاعد الرجفة، كأن أيدى هائلة تدفع البيت، سقطت بعض الكتب التي وضعتها على حافة أرفف المكتبة. دوت فرقعة هائلة. صوت وسط بين الانفجار الهائل والانهيار الرهيب، أيضا لا يمكن تحديد مصدره. استمر الهول حوالي ثلاثين ثانية. في هذه المرة لم أهرع إلى الخارج. إلى السلم، أو الوقوف تحت الأعمدة الخرسانية الأفقية، أو الجلوس تحت المكتب اتقاء لأي انهيارات قد تحدث، خلال السنوات الأخيرة العشر، منذ زلزال أكتوبر عام اثنين وتسعين وتسعمائة وألف، توالت عدة زلازل بحيث أصبح الوعي مزودا برصيد يمكنه من المقارنة. لاشك أن زلزلة اثنين وتسعين كانت أشدها وأخطرها. وقت حدوثها كنت في الطابق الثامن من مبنى دار «أخبار اليوم»، وفجأة سمعت وشيشا وشخللة، ثم بدأ المبنى الضخم يهتز وهرع الجميع إلى السلم ليقفزوا قفزا إلى الطوابق فيما بعد قرأت أن أول ما ينهار من المباني السلالم والشرفات، عند وصولي إلى الطريق كان الجميع يقفون يتطلعون إلى المبنى الذي اجتاز المحنة الأرضية، وعندما اجتزت وسط المدينة، كانت حجارة بعض الواجهات متساقطة، وفي الحلمية والقلعة حيث الأحياء الشعبية كان البعض يجلسون أمام بيوتهم القديمة التي تصدعت وبجوارهم قطع أثاث قديمة أو ثياب ضمت ما أمكن انقاذه ليكون سترة في العراء. عندما أصدر مركز الزلازل في حلوان بيانه اتضح أن مركز الزلزال جنوب غرب القاهرة، في منطقة دهشور، أي أنه قريب جدا من مركز المدينة، وذكر البيان أن قوته حوالي ستة وفقا لمقياس ريختر، عندما وصلت إلى البيت الذي يقع إلى جنوب القاهرة في الخامسة تقريبا وقعت زلزلة، كانت أقصر زمنا، وصاحبها هذا الدوي الهائل الذي لا يمكن تحديد موقعه، كأنه قادم من السماء، أو متصاعد من الأرض.. لعدة أيام متتالية داهمتنا الزلزلة وكأنها المفاجأة ذاتها، وقيل إنها التوابع، فالزلزلة لها مقدمات، قد لا يشعر بها الإنسان، ويتصاعد الأمر إلى وقوع الزلزلة الكبرى ويليها زلزلات صغيرة. المركز جنوب غرب القاهرة، عند دهشور حيث الاهرام الأقدم من هرم خوفو، نشرت صورة في الصحف التقطت في عمق الصحراء الغربية لشق طويل في الأرض ،لكن هذا ليس إلا قمة جبل الثلج ، انه مجرد مظهر للهول الذي جرى في باطن الأرض، لقد كان مركز الزلزلة على عمق يتجاوز الستين كيلو مترا. وهذه مسافة هائلة تحت الأرض لا يستطيع الخيال تصور شكل الصخور والفوالق والحمم إذا وجدت. من هذه الزلزلات نتجت الجبال والمحيطات والوديان. وكان ذلك في بداية تشكل الكوكب وتكوينه، ورغم مرور ملايين السنين إلا أن الأرض لم تستقر بعد، مازال باطنها قلقا، ويحاول العلماء تحديد مواقع ذلك القلق ولكن مازال التنبؤ بالزلزلة صعبا، ومازال الإنسان يفاجأ بمالا يقدر على رده أو منعه أو التخفيف من آثاره عند وقوعه. بعد زلزلة اثنين وتسعين، أذكر زلزلتين، الأولى كان مركزها خليج العقبة وجرت عصرا. وكانت أخف من زلزلة اثنين وتسعين. الثانية كان مركزها جزيرة كريت. أي البحر الأبيض المتوسط، على بعد حوالي سبعمائة كيلو متر من القاهرة. كان ذلك في الصباح الباكر. وكانت زلزلة بطيئة. ممتدة، مختلفة عن السابقة التي كانت أعنف. كذلك الأخيرة التي بدأت حديثي هذا عنها وقال البيان إنها بقوة أربعة وستة من عشرة على مقياس ريختر، مركزها أبو زعبل وقليوب شمال القاهرة، أي أنها أقرب إلى المدينة، لذلك بدأ الأمر وكأن دبدبة تتوالى تحت الأرض، ونتيجة تنفيس الأرض عن الطاقة المضغوطة سمعنا هذه الأصوات الهائلة، ترى.. كيف تخرج من جوف الأرض إلى سطحها هذا مالا أعرفه. في الصحراء الشرقية منطقة تسمى وادي الدبيب، مررت بها أثناء عملي كمراسل حربي زمن حرب الاستنزاف، وكانت تلك المناطق النائية مجال تدريبات شاقة وعنيفة لقوات الصاعقة خصيصا، وفي الليل عرفت سر تسمية الوادي، إذ كان يسمع من الأرض ما يشبه الدبيب الهائل المتوالي منطقة غير مستقرة من الأرض. باطنها قلق، وقد يختفي هذا الدبيب يوما، وقد يتصاعد ليكون مركزا للزلزلة، إن ما يجري تحت سطح الأرض يظل سرا. لا ندرك منه إلا ظواهره، ولا ترصد الأجهزة العلمية إلا خطوط نحيلة تتحرك ارتفاعا وهبوطا، لا يمكن تخيل ما يجري على عمق عشرين أو ثلاثين كيلومتراً. هذه أعماق لا يدركها حفر. إنما تذكرنا الزلزلة أننا نعيش فوق كوكب يسبح في الفراغ، وأنه يدور حول نفسه، ويدور حول الشمس في نفس الوقت، وذلك وفقا لقانون صارم، ولكن هذا القانون نفسه يمكن أن يطرأ عليه خلل ما. قرأت في أحد الكتب التي تبسط حقائق الفلك بأسلوب سهل. أن المدار الأرضي حول الشمس يمكن أن يطرأ عليه خلل ما. فيندفع كوكب الأرض إلى جدف هذا الفرن الذري، الهيدروجيني، الذي يمنحنا الحياة بنيرانه الموقدة وإنفجاراته الرهيبة المستمرة منذ خمسة مليارات سنة وينتظر استمرارها لخمسة مليارات سنة أخرى مقبلة، فالشمس ماتزال في منتصف العمر، هكذا يقدر العلماء. تذكرنا الزلزلة بالفوضى المنظمة في الكون. فثمة نيازك هائمة. وأحجار من بقايا كواكب بعيدة، وفي كل لحظة ليلا ونهارا تصطدم بغلاف الكرة الأرضية الجوي الذي وفر لها حماية كونية، عندما كنت في الأقصر مؤخرا، خرجت من الفندق مشيا، أوليت ظهري لمساكن القرنة القديمة التي مازال يعيش بها الأهالي، مشيت حتى بلغت وادي الملوك، أضواء المدن تحجب عنا الكون، هذا ما خطر لي عندما وصلت إلى نقطة تخلو تماما من المصابيح الكهربائية. يسودها صمت عميق أدرك من خلاله الحال الذي كانت عليه المراقد الأبدية للملوك الأقدمين في مراقدهم الأبدية، حيث البعد عن كل درب مطروق أو منزل مسكون. عندما رفعت بصري إلى السماء فوجئت بهذا العدد الهائل من النجوم، كان باستطاعتي أن أحدد أسماء بعضها من مطالعتي لخرائط السماء، وحضوري عروض القباب السماوية التي أتيح لي أن أشهدها، سواء في أرض المعارض بالجزيرة في القاهرة وقت أن كانت تعمل حتى نهاية السبعينيات تقريبا ثم تم تفكيكها وحفظها في صناديق، كانت الوحيدة من نوعها في مصر، وماتزال في الصناديق، لكن ثمة قبة جديدة، حديثة بدأت العمل الأسبوع الماضي، تلك الملحقة بمكتبة الاسكندرية، اهتمامي بالفلك قديم، وهو من تداعيات اهتمامي بقضية الزمن، من القباب التي أحرص على زيارتها القبة السماوية في باريس الملحقة بمدينة العلوم وتقدم يوميا أكثر من عشرة عروض للكون عبر أفلام علمية متقنة. وقفت أكثر من ساعتين أتأمل النجوم، وخلالها هالني هذا العدد الكثيف من الشهب الذي يتدفق من الكون السحيق ليصطدم بالغلاف الجوي للأرض ويخترق فلا يطالنا أذاه لكن إذا كان النيزك كبير الحجم ونفذ منه ما يصطدم بالأرض، فإن قوة الصدمة قد تبيد الحياة بأكملها، والاصطدام الشهير الأقرب إلى زمننا ذلك الذي وقع في سيبيريا عام ستة من القرن الماضي. وتوجد حفرة هائلة في صحراء نيفادا الاميركية يقال أنها نتجت عن اصطدام نيزك بالصحراء. الزلزلة تعبير عن قلق الكوكب، وعن عدم استقرار باطنه. وإذا كانت الزلازل قد تعاقبت وتقاربت مواقيتها خلال السنوات الأخيرة فقد أتاح لنا هذا رصيدا يمكننا من المقارنة والتوقع، ان أقدم زلزلة أذكرها قبل عام اثنين وتسعين جرت في بداية الخمسينيات، كنت طفلا، ربما في السادسة وكنا نسكن الطابق الخامس من بناية قديمة في درب الطبلاوي بالقاهرة القديمة. كان ذلك حوالي العاشرة صباحا. وأذكر الهلع الذي أصاب السكان، ونزول النساء في ملابس النوم إلى الدرب، كان معظم الرجال في الشغل ذلك الوقت الصباحي المبكر. ما بين تلك الزلزلة وزلزلة اثنين وتسعين لا أذكر أخرى ذات شأن. يوميا تقريبا، وفي بيتي جنوب القاهرة، وفي توقيت معلوم، ما بين الثالثة والرابعة بعد الظهر أشعر بهزة خاطفة، لا تستمر إلا ثانيتين أو ثلاث، وقد سألت أهل العلم فقال لي الدكتور تعيلب «رئيس مركز الأبحاث الجيوفيزيائية بحلوان». أن تلك الهزات ربما كانت نتيجة تفجيرات في محاجر طره التي يقتلع منها الحجارة للبناء. ومنها أخذ المصريون القدماء الكسوة الخارجية للهرم والتي اختفت، فيما عدا جزء صغير مازال يكسو الهرم الأوسط. بالطبع استوقفت الزلزلة المؤرخين في جميع العصور، ولأن تاريخ مصر مدون منذ القرن الأول للهجرة يوما بيوم تقريبا من خلال مؤرخي الحوليات، ابن عبد الحكم، القضاعي، المسبحي، ابن واصل، المقريزي، ابن إياس، وصولا إلى الجبرتي، فاننا نجد سجلا دقيقا للزلزلة، كانوا يذكرون وقوعها وما جرى فيها، لكن الإمام السيوطي أفرد لها مؤلفا خاصا عنوانه «كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة» يذكر فيه أشهرها، ويتوقف عند أعنفها، خاصة ذلك الذي أطاح بمنارة الاسكندرية القديمة. غير أن ما ذكره المؤرخون وما تحدثت عنه ليس إلا ما أدركته حواسنا، ثمة زلزلات خفيفة لم نشعر بها، لكنها تتراكم وتترك أثارها في الجدران والبنيان، شيئا فشيئا تنفح عنها ذاكرة البنيان من خلال الشقوق التي أتأملها، وأتفحصها، ولا أملك إلا القول، كما أقول عند وقوع الزلزلة، «ربنا يستر».