لم تحدث التجاوزات الاميركية الفظة لحقوق الإنسان، في مداهمة منازل ومراكز العرب والمسلمين في الولايات المتحدة ، وحملات الاعتقال العشوائي، للعرب والمسلمين هناك، أي رد فعل لدى المراكز القانونية والحقوقية في أي من الولايات المتحدة أو أي منطقة في العالم، بل قابلت هذه المراكز تلك التجاوزات بالصمت المريب.. مما يؤكد، من جديد، مدى زيف الديمقراطية الاميركية، فضلا عن خضوع المراكز المعنية في أرجاء العالم للأجندة الاميركية.فيما أصيبت الأنظمة العربية، وأجهزتها الاعلامية، بالعمى والصمم، والخرس، في آن، إزاء الانتهاكات الاميركية الموجهة إليها. على أن المستهجن أكثر أن أحدا من المسئولين العرب لم يكلف نفسه بالسؤال عن الأدلة والقرائن على الذين خططوا، والذين نفذوا، وآلية التنفيذ، وأغراض المخططين من هذا العمل! أين هي اعترافات المتهمين المحتجزين، وما أكثرهم ؟! لقد أتمت الأجهزة الأمنية الاميركية إستجواب أكثر من خمسة آلاف شخص ، واعتقلت قرابة ألف وخمسمئة آخرين، جلهم من العرب والمسلمين، عدا مئات اخرين اعتقلتهم القوات الاميركية التي غزت أفغانستان، بعد قرابة شهر واحد من أحداث 11 سبتمبر 2001، ونقلتهم إلى معسكر غوانتانامو الكوبي، بأساليب غير إنسانية. المواجهة الضعيفة لقد واجه العرب أحداث 11 سبتمبر وهم في أسوأ أوضاعهم، بسبب إفتقادهم التجانس السياسي، أو الموقف الموحد، بل ثمة حاجة ملحة لتطبيع العلاقات العربية ـ العربية، لوقف التدهور المطرد في هذه العلاقات، قبل تأسيس تضامن عربي ذي شأن ، وصولا إلى موقف عربي موحد وقوي. لا يكتفي بالتلقي، والتكيف السلبي مع الأحداث والمتغيرات، بل يتأثر ويؤثر، ويرتقي إلى مستوى المواجهة المصيرية، ويتأهل لاجتراح الإستراتيجيات اللازمة، والتي تستجيب للتحديات المستجدة. هنا بيت القصيد، إذ هل النظام العربي يعاني من تبعية إعلامية ، بحيث يبتلع أي طعم، ويجهز لأي تزييف في وعيه، أم أن هذا النظام يعاني من وهن شديد، وتبعية شاملة للغرب الإستعماري؟! أغلب الظن أن الأمر الثاني هو المؤكد. وما من تبعية إعلامية معلقة في الهواء، أو تنزل من السماء بالمظلة، بل هي إمتداد للتبعية الاقتصادية والسياسية، ونتيجة لهما. تجلي العجز هذا في حين يرى بعضنا بأن العرب لم يتفقوا في التعامل مع أحداث 11 سبتمبر، فيما تفوق عليهم رئيس وزراء إسرائيل، آرييل شارون، الذي نجح في إقناع الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش بأن حرب شارون ضد الشعب الفلسطيني إمتداد لحرب الإمبريالية الاميركية ضد الإرهاب في العالم. بينما سارع ياسر عرفات إلى الاستلقاء على أريكة تاركا ذراعه لأحد الأطباء كي يسحب منها الدماء، حتى يتبرع بها عرفات للمصابين الاميركيين، بينما لا تقبل الولايات المتحدة دماء من زادت أعمارهم على خمسة وأربعين عاما فما بالك بمن زادت على هذا الرقم بحوالي ثلاثين سنة؟! إلى ذلك أجبر عرفات تلاميذ المدارس في الضفة الغربية وقطاع غزة على الوقوف دقيقتين تحت شمس سبتمبر، حدادا على أرواح الاميركيين، الذين استمرأت دولتهم إرسال الدبابات والطائرات والصواريخ التي تقتل الفلسطينيين العزل! لقد كشف هذا التعامل عن سذاجة سياسية، لم ترق إلى مستوى الحدث، وأساءت بدل أن تفيد الشعب الفلسطيني. لقد وصل الاذعان الرسمي العربي حد ترديد الاتهامات الاميركية لابن لادن والقاعدة بمسئوليتها المباشرة عن تدبير أحداث 11 سبتمبر دون أن يطلب أي حاكم عربي البينة من اميركا. بينما تشكك حلفاء البيت الأبيض في هذا الإتهام ، الذي ألقي على عواهنه، وها قد مر عام بكامله، دون تقديم ما يسند هذا الاتهام. بل إن البعض يشبه تفجيرات 11 سبتمبر بحريق الرايخستاخ، الذي أفتعله النازي، لمجرد وصوله إلى سدة الحكم في ألمانيا ، في مطلع 1933، ليتخذ من هذا الحريق ذريعة تكفي لقمع معارض النازي عموما، والشيوعيين منهم على وجه التحديد. فيما الولايات المتحدة تريد تأديب كل من لم ينطو تحت جناحها فتستبيح العالم بمن فيه، تحقيقا لأطماع الاحتكارات الاميركية. وغني عن القول بأن الإمبريالية الاميركية تريد إستثمار أحداث 11 سبتمبر 2001، إلى الحد الأقصى، بعد ان انفردت الامبريالية الاميركية بأمور العالم عقب سقوط المعسكر الإشتراكي، وانفراط عقد الاتحاد السوفييتي، قبل ما يربو قليلا على عقد من السنين. لذا توسعت تلك الإمبريالية في أساليب قمع الشعوب، بادئه بأفغانستان، بسبب لا يخفى على كل متابع للخزان الضخم من النفط في جمهوريات آسيا الوسطى «السوفييتية سابقا» ـ فضلا عن إستضعاف الإمبريالية أفغانستان، ورغبة الأولى في تحويل الثانية إلى مجرد وسيلة إيضاح لما يمكن أن يحيق بكل من يجرؤ على عدم الإذعان لمطالب اميركا. هكذا لم تعد الحرب ضد الإرهاب عالمية إلا في مظهرها، خاصة إذا ما علمنا بأن الإمبريالية تطمع في محاصرة الخاصرة الجنوبية الغربية للصين، والجنوبية الشرقية لروسيا، والشرقية لإيران. صحيح أن نسبة غير قليلة من أعمال التلويح بالحرب، ليست إلا من باب التهويش وإبتزاز العراق، إلا أن ثمة ما يغري بوش الابن على الاعتداء على العراق، خاصة بعد أن هبطت أسهمه بانقضاء أشهر على عدوانه على أفغانستان، ففي أخر إستطلاع للرأي، جرى في الولايات المتحدة، وأعلنت نتائجه يوم 5 سبتمبر الجاري، اتضح بأن شعبية بوش الابن انخفضت إلى 60%، بعد أن كانت 80%، في يناير الماضي، وبين الجمهوريين من 95 إلى 83%. وبعد، فلقد سرعت أحداث 11 سبتمبر في وتيرة إتجاه عام اميركي، من أجل التحول إلى دولة الحرب الدائمة في الخارج، والقمع الأمني الشرس في الداخل. ـ كاتب فلسطيني