لا خلاف على أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وبعد عام كامل على وقوعها قد ألقت بظلالها على كل التطورات الدولية والاقليمية وبالطبع من بينها الأوضاع في الشرق الأوسط، التي اتخذت منعطفا جديدا منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000. ومن سوء الطالع للشعب الفلسطيني أن تأتي أحداث سبتمبر في لحظة كان يحاول أن يثبت فيها للعالم قدرته على الفعل من خلال هذه الانتفاضة التي كشفت بجلاء انهاء الخيار الممكن لحلحلة القضية بعدما فشلت جهود التسوية السياسية التي وصلت الى طريق مسدود بسبب التعنت الاسرائيلي من جهة والانحياز الأميركي المطلق لاسرائيل من جهة أخرى ولم يعد خافيا على أحد أن الطرف الاسرائيلي لا يريد سلاما أو تعايشا مع الفلسطينيين وأن كل ما تم منذ مؤتمر مدريد قبل عشر سنوات هو استنفاد للوقت والدوران في حلقات مفرغة لا طائل من ورائها بدليل أن ما يحدث اليوم على الارض أمام العالم أجمع!! وتأتي أحداث 11 سبتمبر لتمكن ارييل شارون رئيس وزراء اسرائيل من البدء في تنفيذ مخططه الرامي الى تصفية الشعب الفلسطيني سياسيا وديموغرافيا وشطب اسم فلسطين من خريطة المنطقة رغم أنف العرب - للأسف - الذين يقفون مكتوفي الأيدي يشاهدون المجازر الشارونية والمآسي الفلسطينية ولا يحركون ساكنا واذا تحركوا فإنهم لا يتعدون حدود القول!! وهكذا جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر برياح لا تشتهيها السفن على حد القول المأثور بالنسبة للعرب عامة والفلسطينيين خاصة. إن تداعيات هذه الأحداث قد أوجدت خلطا متعمدا بين مفهومي المقاومة والارهاب.. رغم الفارق الواضح بينهما.. فالأول يقره القانون الدولي ويعتبر من الحقائق الثابتة التي اعترفت بها اتفاقيات حقوق الانسان لاسيما بالنسبة للدول القابعة تحت نير الاحتلال. أما المفهوم الآخر وهو الارهاب فهو أمر مستهجن غير مشروع يجرمه القانونان الدولي والجنائي ومن المفترض أن هناك اتفاقا دوليا تحت مظلة الأمم المتحدة يحدد وسائل التصدي لكل صور الارهاب حتى يتم تجفيف منابعه واجتثاث جذوره وقد طالبت مصر أكثر من مرة بعقد مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب ولكن لم يلتفت أحد لهذا المطلب على اعتبار أن الارهاب قاصر في العالم على مناطق بعينها وخاصة الولايات المتحدة التي اعتقدت أنها بمنأى عن خطره. وفي اعتقادي لو تم عقد مثل هذا المؤتمر منذ نحو عشر سنوات وتحركت الجماعة الدولية وفق خطوات عملية لمواجهة ظاهرة الارهاب الدولي كان يمكن تفادي ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر بشكل أو بآخر. ورغم أن الارهاب قد طال الأراضي الأميركية فإن واشنطن رفضت مبدأ عقد المؤتمر الدولي وقادت حملتها ضد الارهاب بعد الضربات الموجعة التي وجهت جهارا نهارا الى رموز قوتها.. نقول عمدت واشنطن الى وضع المقاومة المشروعة والارهاب غير المشروع وفق منطقها في سلة واحدة. ووضعت فصائل المقاومة الفلسطينية مثل منظمة الجهاد الاسلامي وحركة المقاومة الاسلامية حماس وحركة فتح وغيرها تحت لائحة المنظمات الارهابية أو الداعمة للارهاب وغضت الطرف عن الممارسات الارهابية الاسرائيلية وتجاهلت حق الفلسطينيين في مقاومة هذه الممارسات. وقد انتهز شارون التوجه الأميركي ومارس ارهابا واجتياحا وعمليات قتل واغتيال وتدمير في المناطق الفلسطينية وكان بالطبع ذلك في نظر الولايات المتحدة نوعا من الدفاع عن النفس ووسيلة للتصدي للأنشطة التي اتفقت واشنطن وتل أبيب على وصفها بالارهابية. وأخذ شارون ينفذ ما تريده الولايات المتحدة ويجني ثمار أحداث سبتمبر بمزيد من التصعيد في ممارسة كل أشكال العنف ضد الشعب الفلسطيني ويحول دون المضي في أي جهد سياسي لاعادة مسار التسوية السياسية الى وضعه الصحيح الأمر الذي أدى الى وصول الأوضاع الى ما عليه الآن من تردي، على أي حال اتفق الأميركيون والاسرائيليون على تحقيق هدف شارون وهو الاجهاز على الشعب الفلسطيني بحجة مكافحة ما يسمى بالارهاب وعليه يقوم شارون بهذه المهمة بينما تتفرغ الولايات المتحدة لما تراه وتدعي بوجود بؤر ارهابية أخرى في العالم ولعل التهديد بشن حرب على العراق يأتي في هذا الاطار. وهكذا يمكن القول أن تداعيات الحادي عشر من سبتمبر قد أدت الى زيادة المسألة الفلسطينية تعقيدا مع غياب أي فرص للتسوية السياسية وتراجع صدى الانتفاضة مع القصف الصاروخي من طائرات إف 16 والأباتشي واجتياج الدبابات الاسرائيلية للمناطق الفلسطينية. إذن نفذ شارون وفق ما تقدم خطة معدة سلفا وبمباركة أميركية شملت ضمن جوانبها تصفية رموز المقاومة والعمل الوطني الفلسطيني سواء بالاغتيال أو الاعتقال وفي الوقت نفسه لم يكتف شارون بحصار واذلال الشعب الفلسطيني فقد حاصر قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية ووضعت الولايات المتحدة شرطا غريبا تتوقف عليه عودة مسيرة السلام المتوقفة وهو إقصاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. واذا كان قد حدث نوع من عدم الاصرار الأميركي الآن على هذا الشرط إلا أنه ما زال قائما وأن الادارة الأميركية مصرة على عدم التعامل مع عرفات ويتجاهل الرئيس الأميركي جورج بوش ـ عن عمد ـ الرجل الذي انتخبه الشعب الفلسطيني رئيسا له مما يعني أن أميركا قد حسمت خياراتها في علاقاتها بالسلطة الفلسطينية وأعطت شارون الضوء الأخضر لممارسة كل أنواع ارهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. ومن هنا نجد أن اسرائيل تعمل في اطار اسلوبين متوازيين، الأول محاولة ايهام العالم أنها تسير في اتجاه التسوية من خلال ابرام اتفاقات شكلية مع الفلسطينيين كان آخرها اتفاق «غزة بيت لحم أولا» الذي لم يخرج الى حيز التنفيذ واستمرت اسرائيل في ممارسة سياسة القتل والاجتياح في الضفة الغربية وغزة قبل أن يجف المداد الذي كتب به الاتفاق فضلا عن أنه اتفاق أمني وليس سياسيا كما قد يعتقد البعض وحاول تشبيهه باتفاق سابق كان يسمى «غزة أريحا أولا». أما الأسلوب الموازي الآخر.. هو التهديد المستمر باستخدام القوة المسلحة في قمع الفلسطينيين سلطة وشعبا باتباع سياسة الضرب في العمق الفلسطيني عن طريق تدمير البنى التحتية والحيلولة بين الشعب الفلسطيني ولقمة خبزه. إن ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ترى الولايات المتحدة فيه وسيلة ناجعة لتنفيذ سياساتها المتعلقة بما يسمى بالحرب على الارهاب وذلك دونما تكلفة تذكر سوى مد اسرائيل بمزيد من السلاح وآلات القتل والتدمير والمنح والمساعدات الاقتصادية التي أصبحت تضن بها على أصدقائها العرب. ومن هنا جاءت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرصة مواتية ومتفقة مع نفس الاطار الممنهج المعادي للفلسطينيين والعرب والمسلمين بشكل عام الذي التزم به شارون.. الأمر الذي أضاع امكانات التسوية السياسية للمشكلة الفلسطينية!! ـ كاتب واعلامي مصري