تحت شعار «الحرية الدائمة» فرضت ادارة بوش الفكر الفاشستي على الشعب الاميركي وشعوب العالم. هذا هو المغزى الحقيقي لما اطلق عليه «الحرب ضد الارهاب» التي دشنت في اعقاب احداث 11 سبتمبر. واذا كانت حركات التغيير الحاسمة في التاريخ البشري يحكم عليها من خلال شخصيات ابطالها فإن امثال دونالد رامسفيلد وجون اشكروفت (وزير العدل الاميركي) من ابطال ما بعد احداث سبتمبر لا مكان لهم في التاريخ الا في معية آل كابوني ومن على شاكلته من زعماء المافيا. حتى 11 سبتمبر عام 2001 ـ او ما بعده بقليل ـ كان كل من قرأوا رواية جورج اورويل الشهيرة التي نشرت للمرة الاولى في مطلع خمسينيات القرن الماضي لا يتصورون ان من الممكن ان تتحول النبوءة التي تنطوي عليها هذه الرواية المثيرة الخالدة الى حقيقة على ارض الواقع البشري. فمن خلال احداث هذه الرواية العبقرية تنبأ اورويل بأن الفاشستية سوف تعم العالم خلال بضعة عقود. ولكن ها هي النبوءة تتحقق الآن من خلال الحرب العالمية الاميركية «ضد الارهاب».. لتستوي المجتمعات المتقدمة في الغرب، خاصة الولايات المتحدة مع المجتمعات المتخلفة في العالم الثالث من منهج القمع بالجملة والعقاب الجماعي على اساس مجرد الشبهة وتعذيب الابرياء والقتل العشوائي. من معسكر غوانتنامو في اقصى نصف الكرة الغربي الى العاصمة الاندونيسية جاكرتا في اقصى النصف الشرقي وما بينهما وحدت لغة القمع الاستبدادي بين جورج بوش وارييل شارون وحكام شعوب عربية واسلامية في العالم العربي وفي آسيا.. جنوبها وشرقها ووسطها. عناصر الصورة العامة البشعة في كل مكان باتت متطابقة كوقع الحافر على الحافر بعد ان برزت الولايات المتحدة كنموذج وقدوة. في لمح البصر ارتد المجتمع الاميركي الى مكارثية الخمسينيات حيث اختزلت في السلطات الكاسحة التي منحت للجنة السيناتور مكارثي من اجل «الحرب على الشيوعية» صلاحيات التحقيق مع صلاحيات القضاء بما في ذلك اصدار احكام بالاعتقال والسجن غير قابلة للرد او الاستئناف لدى المحاكم.. فكم من مفكر مستقل او كاتب صحفي ناقد او مخرج سينمائي حر كلهم دمرت حياتهم المهنية باسم «مكافحة الشيوعية» بينما هم ابعد ما يكونون عن الفكر الماركسي.. وكلهم اخذوا بلا ادلة، وهكذا ايضا كان مصير رصفائهم من آلاف النقابيين والمعلمين وأساتذة الجامعات ورجال الكنيسة وضباط القوات المسلحة. اجل.. الليلة هي البارحة مع الاختلاف الشكلي في الاسم. فمن حيث الجوهر فإن «الحرب على الشيوعية» بالأمس هي «الحرب ضد الارهاب» اليوم .. نسف سيادة القانون في الحالين. بعض المعلقين الغربيين يلقي بالمسئولية على مدبري ومنفذي تفجيرات سبتمبر انفسهم. فلولا هذا الحدث الزلزالي الذي اودى بحياة ما يقارب ثلاثة آلاف اميركي دفعة واحدة لما عمدت الادارة الاميركية إلى تدشين عهد فاشستي كاسح في العالم.. ابتداء من الولايات المتحدة. ان العيب الحاسم في مثل هذا التعليق التبريري هو انه يتعامل مع احداث سبتمبر وتداعياتها القبيحة خارج سياقها التاريخي. فالتحول الجسيم الذي فرضته واشنطن بعد احداث سبتمبر ليس سوى صورة مكبرة ومجسمة لما كان واقعا وسائدا قبل سبتمبر. لننظر اولا في ملامح الصورة الراهنة الماثلة داخل الولايات المتحدة وخارجها في بلدان العالم الاخرى. لقد شرعت قوانين جديدة لاطلاق ايدي الشرطة والاجهزة الامنية والاستخباراتية بتحجيم التدخل القضائي.. ومن بينها قوانين ذات طبيعة تمييزية لاستهداف المسلمين في اميركا وأوروبا والاسلاميين في البلدان الاسلامية. وأصبحت اعتقالات الافراد لاجل غير مسمى دون محاكمة ممارسة روتينية. وكبحت حريات العمل السياسي التنظيمي المشروع مع حريات التعبير السلمي.. وتضاعفت ممارسات التعذيب والرقابة الامنية على المواطنين. وبايجاز شهد العالم اوسع عمليات في تاريخ العصر لمصادرة حقوق الانسان. لكن كل هذه التجاوزات كانت تمارس قبل وقوع احداث سبتمبر.. وان على نطاق اقل. فوحشية الاجهزة الامنية الاميركية ظلت مضرب مثل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. اما تجاوزات الاجهزة الامنية في بلدان العالم الثالث بما في ذلك محاكم امن الدولة سيئة الصيت فما كانت قبل سبتمبر 2001 سوى احدى حقائق الحياة اليومية. ما يمكن ان يقال عن احداث سبتمبر اذن هو انها وفرت ذريعة للولايات المتحدة لتصعيد النشاط الفاشستي وتوسيع نطاقه ودفعه الى مستوى نوعي. في كلمة واحدة فإن احداث سبتمبر اجبرت واشنطن على خلع القناع عن وجه قبيح اصلا.