بعد الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، وهو من أكثر التواريخ اثارة، أخذت العلاقات العربية الاميركية تبحر في قارب جديد يتأرجح وسط أمواج متلاطمة وأصبحت تسلك منحى سلبياً بلغ ذروته في التأييد المكشوف والسافر والعلني وغير المعهود والذي أبداه الرئيس بوش تجاه سياسة شارون العدوانية ضد الشعب العربي. وهذا الموقف العجيب مازال يحير الكثيرين ويفعم الأفق السياسي بعلامات استفهام لا نهاية لها. أما قبل هذا التاريخ، فقد كان هناك بالفعل دعم أميركي واضح لاسرائيل، ولكنه اتسم ببعض التحفظ، واختلط بمحاولات استرضاء العرب. وهذا الوضع يطرح بالحاح مسألة حقيقة السياسة الاميركية في الشرق الأوسط. وهناك من يقول ان مصير العرب كله يتوقف على الاتجاهات المقبلة لهذه السياسة. وهذا الرأي يسقط من حسابه الدور المحلي، ويتجاهل الإمكانات العربية، ويدل على مدى العجز الذي أصبحنا نشعر به، وإن كان ينطوي على بعض الصحة بسبب ما تحمل معه المواقف الأميركية من تأثيرات سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية كبيرة في الأوضاع العربية. ويحق لنا ان نتساءل عما إذا كانت الولايات المتحدة تستهدف الآن اضعاف العرب وتفتيت قواهم واستغلالهم، أم انها ترمي الى تحقيق أهداف سياسية معينة. ولاشك ان القاريء الحصيف يعرف انه ليس من السهل الاجابة عن هذا التساؤل. ولكني أود ان أقول للحق وللتاريخ ان هناك فرقاً واضحاً بين التأييد الأميركي التقليدي لاسرائيل، وبين وجود عداء أميركي فطري وأبدي للعرب. ويبدو لي ان الولايات المتحدة تعمل بوحي مصالحها وارتباطاتها العضوية باسرائيل أكثر من التأثر بالاعتبارات العاطفية ومشاعر الحب أو الحقد أو العداء. ومعنى هذا ان العداء الاميركي لنا قابل للتغير، وليس قضاء مبرماً أو قدراً محتوماً. ولعلنا نذكر كيف أقدم الرئيس الاميركي الأسبق ايزنهاور على ارغام القوات البريطانية والفرنسية والاسرائيلية على الانسحاب من الاراضي المصرية منذ عقود. وأقول للأسف ان بعض أصحاب المصالح يحاولون تضخيم العداء الأميركي لنا بهدف التخدير حتى يُرجعوا اليه كل فشل نُمنى به، أو انتكاسة تحل بنا. وبذلك يعفون أنفسهم من المسئولية ويبعدون الأنظار عن ممارساتهم الداخلية السلبية. وإذا انتقلنا من النطاق الأميركي الى نطاق الدول الكبرى، على نحو عام، يتبين لنا ان هناك فكرة مهيمنة على كثير من الناس وتغذيها بعض أجهزة الإعلام، وهي ان الدول الكبرى تريد ابتلاع الدول الصغرى والقضاء عليها قضاء مبرماً. فإذا صح هذا، لماذا لم يتم محو دول مثل النرويج والسويد والدنمارك؟ وكما أسلفت، فإننا معشر العرب، نطرب ونتحمس للفكرة السابقة لأننا نستطيع بواسطتها أن نعزو كل ما يصيبنا من اخفاقات الى مؤامرات الدول الكبرى! وعلى كل حال، لا ننكر انها تحمل بعض الصحة في جوانب معينة منها. ولكن الأمور لا تسير في كل مرحلة من مراحل الزمن على وتيرة واحدة ونسق ثابت، بل تتبدل بتبدل الأوضاع والمصالح والاستراتيجيات. وكذلك فإن لكل حقبة تاريخية خصوصيتها. وربما يمكننا ان نخرج بحكم عام، وهو ان الدول الكبرى ومنها أميركا بالطبع، تحاول اضعاف شأن العرب عندما تستلزم مصالحها ذلك. وهذا يمكن ان يذهب بنا الى ان هذه الدول يمكن ان تسعى الى تحقيق التنمية والاستقرار في أقطارنا، عندما يحقق لها هذا فائدة ومنفعة. وفي الماضي كان الاحتمال الأول هو الأغلب، وكانت الدول الكبرى كثيراً ما تلجأ الى احتلال أراضي بعض الدول الصغرى واستغلال خيراتها بشكل سافر. ولكن الزمن تغير الآن ونشأت في العالم أفكار جديدة مستنيرة، فأصبح الاغنياء يشعرون ان امتيازاتهم وثرواتهم سوف تهدد إذا ازداد الفقراء فقراً لأن هؤلاء قد يلجأون الى العنف والى ما يسمونه بـ «الارهاب». ومن هنا يصبح من مصلحة الاثرياء ان تتحسن أحوال المساكين والمشردين والجائعين حتى لا يضرموا نار الثورة ضد الموسرين. وهذه الفكرة، على الرغم من كونها فكرة اجتماعية في الأصل، فقد تركت بصماتها القوية على المواقف السياسية، مما جعل الدول الكبرى، كما يبدو، تشعر الى حد ما، ان مصلحة العالم كله، ومن مصلحتها بالذات، أن تكون الدول الصغرى قادرة على تنمية مواردها واطعام سكانها وتلبية مستلزماتها المختلفة، حتى لا تصبح بحاجة الى طلب المعونة أو الاستدانة من الدول الغنية. ولا ننسى ان معظم الدول الصغيرة مدينة اليوم بمبالغ مالية هائلة الى الدول الاخرى. وإذا لم تتحسن أوضاعها الاقتصادية، فإنه لن يكون بوسعها سداد ديونها هذه. ولكن من المؤسف ان الدول الكبرى مازالت ترغب في ابقاء الدول الصغيرة ضعيفة تكنولوجياً، حتى يضمن لها ذلك الاستمرار في تصدير المصنوعات اليها بأسعار فاحشة، واستيراد المواد الخام منها بأثمان زهيدة. كما انها لا تريدها ان تشيد قوى عسكرية كبيرة تنافس قواها. ومن الناحية السياسية، فإن سياسات الدول الكبرى تجاه الدول الصغرى، أصبحت اليوم مختلفة عما كانت عليه في الماضي بسبب التبدلات السياسية التي طرأت على العالم. فعندما كان هناك معسكران متخاصمان، غربي وشرقي، كنا نجد كل معسكر يحاول اضعاف الدول الصغيرة التي تتبع المعسكر الآخر، وتقوية الدول التي تدور في فلكه هو. ولكن ليس الى الحد الذي يجعلها تشب عن الطوق وتتمرد عليه، لأن من مصلحتها ان تبقى هذه الأخيرة في حالة اعتماد دائم عليها. أما اليوم، فقد زال الاستقطاب الدولي، وأصبح هناك نظام عالمي جديد تسيطر عليه الولايات المتحدة. ويزعم هذا النظام، مهما كانت صحة هذا الزعم، انه يسعى الى تحقيق الديمقراطية والتنمية في مختلف ارجاء الأرض، ولكن الأمور في نهاية المطاف، ستبقى مسخرة لصالح الدول الكبرى التي نتوقع ان تظل تعمل على اضعاف الدول الصغرى صناعياً وتكنولوجياً وعلمياً. وحتى إذا عملت الولايات المتحدة على تشجيع الديمقراطية والتنمية في الدول الصغيرة، فإننا نعتقد انها ستفضل مصالحها الخاصة على الديمقراطية، إذا تعارضت الأولى مع الثانية، فهي ستدعم الثانية طالما كانت هذه تتماشى مع مصالحها، وستتوقف عن دعمها عندما تستلزم مصلحتها ذلك. وبالنسبة للسياسة الأميركية تجاه الدول العربية، فإن لها وضعاً خاصاً مختلفاً عما هو مع باقي الدول الصغيرة. إذ ان الولايات المتحدة التي تدفع لاسرائيل أموالاً طائلة في سبيل الحفاظ على كيانها وبقائها، قد يهمها اضعاف الدول العربية وابقاؤها في حالة تخلف وتأخر دائمين، حتى لا تنهض وتصبح قادرة على التغلب على اسرائيل. وهذا طبعاً أمر مؤسف للغاية. ولكن هل يمكن لمثل هذه المعادلة ان تستمر الى الأبد؟ إننا نعتقد ان استمرارها رهين ببقاء الخصومة بين العرب واسرائيل. ولكن إذا حل سلام حقيقي دائم بين الطرفين، فربما تعيد أميركا النظر في سياستها، ولا يصبح من مصلحتها اضعاف شأن العرب. وهذا مجرد افتراض، لأن هناك عوامل أخرى تدخل في المسألة، مثل العامل النفطي، والخوف من الوحدة العربية والمد الاسلامي وغير ذلك. على كل حال، فإن الأمور معقدة ومتشابكة، وليس من السهل اطلاق أحكام قاطعة بشأنها. والمسألة لا تتعدى التعبير عن آراء وأفكار قابلة للنقاش والجدل. ـ كاتب سوري