غدا تحل الذكرى الأولى على أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي، وهي (سنة أولى كارثة) كما يسميها العالم في التقويم الجديد، ذلك العالم الذي لم يعد كما كان ولن يعود، لقد تغيرت أشياء كثيرة وجذرية منها موقف الولايات المتحدة (القوة العظمى في عصرنا) من العالم. كان الأميركيون مدعوين طيلة القرن الماضي إلى حفلات العالم القديم، وهي حفلات بالغة القسوة وكثيرة الدماء، اشتركوا في المساعدة على هزيمة النازية والفاشية في أوروبا وفي الشرق الأقصى، كما اشتركوا في هزيمة الشمولية ممثلة في الاتحاد السوفييتي، كل ذلك بدعوة من آخرين في الغالب.ومع انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، اكتشفت أميركا أنها لم تعد مدعوة للحفل، وأصبح الأميركيون هم أصحاب الحفل، لا يستطيعون أن يغادروه من جهة، وعليهم ترتيب مفرداته من جهة أخرى، لذلك فإن ردة الفعل الأولى للرئيس جورج بوش الابن في العشرين من سبتمبر الفائت تلخصت في: (إما أن تكون معنا وإما أن تكون ضدنا، لا فصال شرقيا ولا تسويف دبلوماسيا). حق التدخل لاصلاح الخلل لقد كانت الحفلة نفسها مروعة: للمرة الأولى في التاريخ يجري اعتداء على أرض الولايات المتحدة من الخارج، مما عرض هذا البلد الكبير إلى الاهتزاز، وقدراته إلى الاستهزاء وأمنه إلى الاضطراب، وسمعته الدولية إلى الهشاشة. حلف الاطلسي قرر أن يُنعش البند الخامس من ميثاقه ، حيث إن الاعتداء على دولة عضو هو اعتداء على كل الدول الموقعة على الميثاق، وهي دول أوروبا الغربية القوية بما انضم إليها من دول الشرق أخيرا ـ بما فيها تركيا ـ فالاعتداء الذي وقع هو اعتداء على العالم أجمع. وتبلور في أدبيات الفكر السياسي العالمي منذئذ مفهومان جديدان لمناطق الخطر والاضطراب التي ينبعث منها الشر، الأول: دول ناقصة الأهلية، أو دول فوضى، كما هي الحال في أفغانستان تحت قيادة طالبان، والثاني: دول شمولية ومثال ذلك العراق. كما قرر هذا المبدأ حق الولايات المتحدة في التدخل لإصلاح الخلل، وهو حق بدأ يظهر في العلاقات الدولية قبل الحادي عشر من سبتمبر الماضي، ولكنه تكرس نهائيا بعد ذلك. وكانت البداية بأفغانستان، ذلك البلد الذي عمّته الفوضى حين ارتضى أن يكون قاعدة للقاعدة، ويبدو أن الأمر يسير الآن إلى العراق، لأسباب عديدة من بعضها احتمال وجود أسلحة الدمار الشامل، ولكنها ليست كل الأسباب. ونتيجة لهذه التغيرات أصبح هناك نقاش واسع في أوساط المهتمين بالشؤون الدولية في الولايات المتحدة اليوم حول أهداف السياسة الخارجية الأميركية، بما أنها أصبحت صاحبة الحفل، فهي التي تقرر طبيعة المدعوين، وبأي ملابس يدخلون، وما هي شروط الدعوة، والمسلك الذي يجب عليهم أن يتبعوه في أثناء تلبية الدعوة. هذا النقاش يقود في جزء منه إلى حتمية ترك العزلة التقليدية التي اتصفت بها سياسة الولايات المتحدة لفترة طويلة، أو حضور الحفلة كمدعوين ، ويُحذر في الوقت نفسه من التفرد باتخاذ القرار، فالعزلة من جهة والتفرد من جهة أخرى، وجهان لعملة واحدة في نظرهم، وهو أمر تنبهت إليه إدارة الرئيس بوش الابن في الفترة الأخيرة، وطفقت ـ بجانب ضرب الدفوف للحرب ـ تبحث عن حلفاء مؤيدين أو أصدقاء متفهمين أو محايدين ، على الأقل، وهذا الذي يطلق عليه اليوم (مبدأ بوش)، الذي تدعو إليه الإدارة الأميركية. المبدأ والمصالح بقي المسلك الذي يجب على المدعوين أن يسلكوه، وهنا تظهر مدرسة في أوساط متخذي القرار في واشنطن تدعو إلى أن تتوافق المصالح الأميركية في دعم استتباب الأمن الدولي، مع القيم الأميركية المعروفة، ومنها سيادة الديمقراطية وقبول التعددية واحترام العيش المشترك وإشاعة قيم السوق، دونها يرى هؤلاء أن الحرب ضد دول الفوضى و الدول الديكتاتورية لن يكون لها نصير، ولا يمكن أن تستقطب كثيرا من العطف. ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت الولايات المتحدة قد انتهت من معظم ما قررته في أفغانستان، واستطاعت تحويل دولة الفوضى إلى دولة قانون، أو هي في طريقها السريع إلى التحول، وذابت طالبان كما تذوب الزبدة في يوم حار، فماذا عن الدول الديكتاتورية وعلى رأسها العراق اليوم؟ ظاهر الخطاب الأميركي والبريطاني، يقول إن الهدف هو نزع أسلحة الدمار الشامل، وحرمان هذه الدول الديكتاتورية من تهديدات مستقبلية للأمن العالمي، هذا الهدف يصب في خانة المصالح، وليس في خانة واضحة من المبادئ، وذلك على أقل تقدير حتى الآن، أما المسكوت عنه فإن أسلحة الدمار الشامل من دون رقابة شعبية تتحول إلى قنابل موقوتة. لم تكن أفغانستان ولن يكون العراق هما الدولتين الهدف فقط في ترتيب سلوكيات حضور الحفل، فقد أصبحت دول عديدة تعد نفسها للحضور، أو حضرت بطريقتها الخاصة بالفعل: باكستان تحت مطرقة الدعوة الأولى خضعت للشروط، وفكت ارتباطها بمصالح وثيقة كانت تجمعها مع طالبان، وكانت الحكومات الباكستانية المتعاقبة تعتبرها من صلب المصالح القومية والإقليمية، ولكنها لم تنتهِ بعد مما هو مطلوب منها، ليست باكستان فقط التي حضرت بتردد، فمن جانب آخر شكلت دول مثل الهند وإسرائيل ما يمكن أن يسمى بتحالف الموافقين، وكل قد بدأ هذا التحالف بتحقيق أهداف خاصة به، بعضها نجح نسبيا، وبعضها ما زال يحاول، كل تحت مظلة شروط حضور الحفل. تبين من مسيرة الاثني عشر شهرا الماضية أن الادارة الأميركية تتأرجح بين رأيين في العديد من القضايا: في القضية الفلسطينية كان خطاب الرئيس بوش في الرابع من ابريل الماضي قويا، حيث قال فيه بغضب: (لقد كفى ما حصل، وعلى إسرائيل أن تنسحب فورا من الأراضي الفلسطينية)، ثم عاد في خطاب الرابع والعشرين من مايو إلى التخلي عن تلك اللهجة، كما تخلى عن مؤتمر السلام المقترح، وطالب في الخطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالديمقراطية. ولتسعة أشهر تجاهلت الإدارة الأميركية القضية الساخنة في القارة الهندية ، وهي قضية كشمير، وعندما شعرت ـ فقط ـ بأن العالم اقترب من حرب نووية، تدخلت لتبريد الموقف وتأجيل الانفجار. مثل هذا التذبذب هو الفارق بين ما تطالب به أوساط الادارة الأميركية من توسيع لـ (منطقة الديمقراطية)كحل ناجع للأزمات، وبين ما تُطالب به أوساط أخرى من توسيع لـ (منطقة النفوذ)كحل آخر. ومن المرجح أن الخلاف بين المدرستين سيبقى قائما حتى يثبت أي من الحلين يمكن أن يؤثر في القاع أكثر، ويبقى مع الزمن. في ذهن التاريخ الغربي الليبرالي، الذي يؤمن بأن مدرسة الديمقراطية هي التي استطاعت هزيمة الأفكار الأخرى ويؤكد عليها، قال ذلك فوكوياما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. كما ثبت ذلك بالتجربة في الصراع مع الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، فالمبدأ هو الأكثر ديمومة من المصالح المؤقتة، إلا أن من المرجح امتزاج المصالح مع القيم، حيث إن هناك قناعة واضحة في أوساط عديدة بأن الاثنين يجب أن يسيرا جنبا إلى جنب. موضوع العراق هو الذي سوف يحسم الأمر، فالوضع في أفغانستان وضع قبلي صعب ومعقد، حيث إنها بلاد لها جغرافية قاسية، وتفتقد الحد الأدنى من الموارد الاقتصادية. أما العراق فمختلف حيث يمتلك الكوادر والتاريخ السياسي والموارد، إلا أن ما يلفت النظر هو عدم تقدم فكرة الديموقراطية على السطح حتى الآن في برنامج التعبئة المشاهد، والذي تقوم به الولايات المتحدة وحليفاتها، فكل الذي انصب عليه القول هو ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل، ربما من أجل تهيئة الرأي العام في الغرب وإشعاره بالمشكلة، ولكن ذلك لا يكفي لتعبئة قوى حقيقية تأمل في التغيير إلى الأفضل، ولعل ما نجد فيه العزاء ـ جزئيا ـ هو رصد مليار دولار للتدريب على آليات الديمقراطية، وهو استثمار يشجع على الحضور إلى الحفل، بعد أن يمتنع غير الراغبين. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ـ الكويت