في الثامن من الشهر الجاري احتفل العالم باليوم العالمي لمحو الامية، وفيه جدد العالم مشاعره الجميلة تجاه التعليم وامنياته المعهودة في نشر المعرفة في شتى اصقاع المعمورة. وفي اليوم العالمي لمحو الامية تتبارى المؤسسات التعليمية في شتى اقطار الارض للحديث عن انجازاتها في هذا الميدان الخصب، الذي لا غنى للاحياء عنه، ولا مناص لاي امة حتى ولو كانت تسير سير السلحفاة في زمن المعلوماتية من ان تنال الحد الادنى منه، حتى ولو كان هذا الحد الادنى لا يتجاوز الالمام بمباديء القراءة والكتابة لدى غالبية شعوب الدول النامية!! والامية لدى هذه الشعوب ليست هي ذاتها لدى الغرب، كما ان شعب اليابان ينظر للامية بمنظار مختلف. فالامية تعني لدينا نحن ابناء الشعوب النامية الجهل بالقراءة والكتابة، ومحو الامية يعني إزالة هذا الجهل عن عقل الانسان. اما لدى الغرب، فالامية اليوم هي الامية الوظيفية، حيث تعاني اعداد هائلة من الموظفين من مشكلة العجز عن متطلبات سوق العمل، الذي يشترط اداء مهنياً عاليا، وسرعة متناهية في مواكبة الطفرة التكنولوجية الهائلة التي تتطلب قدرة عالية على التكيف المهني، والتطوير الذاتي المكثف ليتسنى للموظف ان يتابع عمله بشكل يتناسب مع طبيعة العمل في ظروف مهنية بالغة الدقة والتعقيد. اما اليابانيون فالامية لديهم تعني العجز عن استخدام الحاسوب، وقد تخلصوا من وطأة هذا العبء الاجتماعي منذ زمن، ولم يعد هناك طفل ياباني او طفلة يابانية ناهيك عن الشباب والراشدين يعاني من الجهل باستخدام الحاسوب!! واذا عدنا لعالمنا العربي، واستنطقنا الارقام لترشدنا الى حقيقة الجهود المبذولة في اطار القضاء على الجهل، واحلال المعرفة لوجدنا ان هناك نمواً ملحوظاً في هذا المجال ولكنه دون مستوى الطموح والآمال!! فقد انخفضت نسبة الامية من 60% في عام 1980 الى حوالي 43% في منتصف التسعينيات. كما تضاعف معدل تعليم المرأة ثلاث مرات منذ عام 1970م. وعلى الرغم من كل هذا النمو فمازال هناك 65 مليون عربي بالغ اميا، ثلثاهم من النساء وليس متوقعا ان تحل هذه المعضلة قبل ربع قرن على الاقل. كما يوجد على امتداد الخارطة الجغرافية للوطن العربي عشرة ملايين طفل بين سن 6 و15 سنة خارج النظام التعليمي. ولعل من ابرز التحديات التي تواجه مستقبل التنمية البشرية في مجال التعليم هو هذا التعثر الملحوظ في مجال الالتحاق بالتعليم العالي الذي هو مرتكز وحجر زاوية في مستقبل اي كيان سياسي يريد ان يملأ فضاء الكرة الارضية، ويستحوذ على مكان بارز فيها بين شعوب العالم المتمدن. فنسبة التعليم العالي لدينا محدودة ولا تتجاوز 13%، وهي نسبة مازالت ادنى بكثير من النسب السائدة في الدول الصناعية التي تصل الى 60%. ومن الصعوبة بمكان ان تظل الخدمة التعليمية المتميزة حكراً على الموسرين الذين يملكون نفقات التعليم العالي بينما يحرم الفقراء، ومتوسطو الدخل من مواكبة المطالب المادية التي تقف عائقاً في طريق اكمال ابنائهم لدراساتهم العليا. ومن الاتجاهات المقترحة لتعديل البنية التحتية للمعرفة العامة لدى جمهور الشعب العربي البالغ عدده 280 مليون نسمة، هو ان تطال مدة التعليم الالزامي السنوات العشر الاولى على الاقل بدلا من السنوات الست المعروفة على نطاق الدول العربية. كما ان زيادة حصة البحث والتطوير من الناتج المحلي الاجمالي من مستواها المتواضع الذي يقل عن05% لتصبح 2% في نهاية العقد الحالي، هو احد الخيارات المتاحة بين ايدي المسئولين العرب اذا ما ارادوا ان يحدثوا نقلة نوعية في شكل ومضمون الرسالة التعليمية. ولو التفتنا لحظة من الزمن الى هذا المارد الكبير الذي يسمونه العولمة، وركزنا قليلا على مسألة جوهوية مفادها أن البقاء للاقوى، وان الجولة التالية ستكون من نصيب الذين ينظمون انفسهم، ويحسنون ترتيب اوراقهم، وقبلها يحسنون ادارة اولوياتهم ويتجاوبون معها، فسوف يظهر لدينا ان عقارب الساعة هي بدورها تتحدانا، وتنظر الينا بنظرة الاستغراب والرثاء معاً!! ثمة ومضة مشرقة علينا ان نضيئها في سمائنا، تتمثل في مليون عربي مهاجر الى العالم المتمدن لديهم خبرات علمية ينبغي ان توضع في الحسبان، وان يتم تجسير العلاقة بينهم وبين اوطانهم الام، من اجل استثمار جزء من جهودهم المتميزة في رفد الحركة العلمية لدينا. فهل ثمة امل في طرق هذا الباب، ام انه موصد كغيره من الابواب؟!