عجيب والله امر عالم اللصوص هذه الايام، ذلك ان «حرامية» هذا العصر تطورواً تطوراً مذهلاً يفوق تطور الوطن العربي او «تخلفه» ان شئت الحقيقة. كان حرامي ايام زمان، قنوعاً جداً لا يتجاوز طموحه سرقة حبل غسيل بما عليه من ملابس نشرت لتجف تحت اشعة الشمس، او نشل حافظة نقود مواطن غلبان من ركاب الاتوبيسات او قطارات السكك الحديدية او في زحمة مولد من موالد اولياء الله الصالحين، او فلاح ساذج يأتي الى عاصمة بلاده لاول مرة، غير ان لصوص هذه الايام السوداء ارتقى حالهم وعلت مراتبهم حتى اصبحنا نسمع عن حرامي برتبة وزير او وكيل وزارة او السيد الوزير المحافظ او سعادة مدير عام بنك من البنوك. توسعت تلك المهنة «العريقة» لتشمل نساء وصفن بأنهن «سيدات اعمال» وقفزت اسماء بعضهن لتحتل عناوين الصحف تحت ألقاب فخمة عديدة، مثل: المرأة الحديدية والمرأة النحاسية واللولبية.. الى آخره!! كذلك قفزت المسروقات و«المنهوبات» من غسيل البيوت ومحافظ نقود الفقراء الى الملايين واحيانا المليارات التي هرب بها اللصوص الى خارج بلادهم ليتمتعوا بما نهبوا على شواطيء بحيرات سويسرا وملاهي باريس وغيرها. ومادمنا نعيش عصر التكنولوجيا فقد سارع لصوص هذا الزمان الى تطوير مهاراتهم في استخدام مبتكرات العصر مثل الكمبيوتر لتحقيق مآربهم بسرعة خاطفة. ومع ذلك لم يخل هذا الزمان من بعض «الحرامية» المتخلفين الذين قنعوا بما هم عليه ولم يطوروا انفسهم، فقد قرأنا مؤخراً عن لص غبي في النرويج سرق صندوقاً من مستشفى جامعة اولفال في العاصمة اوسلو التي شهدت تكريس اكبر سرقة في التاريخ وهي سرقة الصهاينة لدولة بأكملها هي فلسطين.. فلنترك هذا لكُتّاب السياسة ونعود الى السارق الذي صور له غباؤه ان صندوق المستشفى ربما كان يحوي شيئاً ثميناً فحمله خلسة الى بيته وعندما نجح في فتحه صعقته مفاجأة مرعبة اذ كان في الصندوق جمجمة بشرية. واذا تركنا عالم حرامية الملايين في عصرنا هذا دعوني اسألكم: هل سمعتم عن «حرامي الايدز»؟!.. غير ان الحرامي هذه المرة هو واحد من علماء البيولوجيا في الولايات المتحدة فضح سرقته كتاب اميركي بعنوان «خيالات علمية» ألفه صحافي معروف اسمه جون كرويدسون. ويؤكد الكتاب ان الفضل في اكتشاف فيروس الايدز يعود الى عالم في معهد باستير في فرنسا واسمه لوك مونتانيير وفريقه العلمي. ويؤكد المؤلف في كتابه ان احداث سرقة ذلك الانجاز العلمي الكبير باكتشاف الفيروس بدأت مع بداية الجهود العلمية للعالم الفرنسي وفريقه الذي يعود اليه الفضل في السبق الى ذلك الاكتشاف بينما سارع العالم الاميركي واسمه روبرت جاللو الى الادعاء بأنه هو مكتشف المرض. وكان الاخير قد نشر ورقة علمية في دورية «ساينس» العلمية عام 1983 زعم فيها انه توصل الى اكتشاف الفيروس الذي يسبب مرض الايدز، ثبت بعد ذلك ان ذلك الفيروس لا يمت بصلة الى فيروس الايدز. في ذلك الوقت نفسه نشرت الدورية العلمية ذاتها بحثا للعالم الفرنسي مونتانيير يفيد توصله الى اكتشاف الفيروس الحقيقي منذ عام سابق على اعلان العالم الاميركي. ويدعم الصحفي الاميركي كتابه بأسانيد علمية ويقول ان الدفاتر المعملية تؤكد ان ادعاء جاللو الاميركي جاء بعد اكتشافه ان الفيروس الذي كان يفحصه ليس هو المسبب للمرض اللعين. ولكنه بعد اطلاعه على بحث مونتانيير وفريقه العلمي سارع الى نشر ادعائه المريب ونسب الى نفسه كشفا علميا قام به غيره، وقد توصل اللص الاميركي الى «هبش» مئات الملايين من الدولارات بعد ان نجح في الاحتفاظ ببراءة اكتشافه بمساعدة مريبة من بعض الجهات العلمية الاميركية. ولا ندري حتى الآن مفاجآت عالم اللصوصية وما قد يتمخض عنه من اساليب وابتكارات في هذا العالم الذي يزداد توحشاً.. وربنا يستر!!