بديهي أن الناس فيما يعشقون مذاهب.. وعندما ساءلنا النفس يوما عن المكان أو الأماكن التي مازلنا نحتفظ لها في قاع الذاكرة بأغلى الذكريات.. طالعتنا للوهلة الأولى قولة شاعرنا القديم: .. أعز مكان في الدنى سرج سابح طبعا هذا كان اختيار الشاعر الفصيح بالنسبة للمكان الذي يعشقه أكثر من سواه. ولو سألتني نفس السؤال لجاءتك اجابات حول مواقع عديدة وأماكن شتى أولها مثلا محطات السكة الحديد ـ وخاصة الريفية أو الاقليمية.. النائية أو القصية.. شبه المجهولة أو حتى المنسية. ولقد قيض للعبد الفقير أن يعمل في مقتبل العمر المهني مدرسا في إحدى ثانويات الأقاليم في دلتا نهر النيل.. بلدة صغيرة بها محطة سكة حديد لا يعيرها القطار التفاتا اللهم إلا مرات ثلاث بالنهار وربما مرة أو مرتين في الليل.. وكنت أنهي الدروس عصر كل يوم.. وبعد اغفاءة قصيرة في بيت شبه ريفي (كان صاحبه يتصوره قصرا ويتيه على ساكنيه عجبا ويكاد يرفع الايجار كل شهر.. كيف لا وفي البيت مياه جارية في الصنابير وعدة مصابيح يسري في اسلاكها تيار الكهرباء.. ولم يكن هذا في أيامها بالأمر الهين ولا الخطب البسيط).. بعد الاغفاءة كنت أتهيأ للمشوار اليومي الذي يتكرر مع كل غروب.. اتخذ طريقي مشيا بالطبع قاصدا محطة السكة الحديد.. ومجتازا بعض المحال والبيوت والمقاهي والأكواخ، ولم تكن المسيرة لتخلو من تحيات وسلامات واحترامات يخف اليها تلاميذ العبد الفقير في ثانوية البلدة.. ويعلم الله إن كان بعضهم يفوق المدرس النحرير في السن، بل كان البعض الآخر متزوجا ويعول كبشة من الأولاد.. وكم حاول هذا البعض أو ذاك أن يصاحب الاستاذ في مشوار المغارب لزوم توصيله الى المحطة، وبعد عدة تجارب أقلعوا عن شهامة السلوك بعد أن أدركوا أن المسألة لم تكن تتعدى فترة تأمل في لحظات شفق الغروب.. وبعدها فترة سكون ويخلو فيها معلمهم القاهري الشاب الى خواطره ويسكن فيها الى نفسه، ريثما تحين لحظة الدراما الكبرى أو هي لحظة الذروة في دراما اليوم كله وهي لحظة وصول القطار القادم من القاهرة عبر مدن أخرى، أهمها القناطر ومنوف وأشمون وشبين الكوم وسيكون آخرها مدينة طنطا ـ عاصمة الوجه البحري أو عروس الدلتا كما يسمونها.. كان القطار يصل بعد أذان المغرب ترى شبحه يأتي مجللا وسط غبشة المساء وتكاد تحس أن القطار يأتي مجهدا بعد رحلة تكون قد استغرقت 4 ساعات من بدء حركته عند رصيف «محطة مصر» بالقاهرة حيث لم يترك القطار ـ كتّر الله خيره ـ محطة في قرية أو نجع أو ضيعة أو بلدة إلا وتوقف عندها بعرباته الكثيرة، التي تغلب عليها الدرجة الثالثة الرخيصة التذكرة والشعبية الأجواء والخشبية المقاعد.. حيث تختلط السلال والمقاطف بالناس والدواجن والمعاطف.. وربما يحوي القطار ـ لزوم الأبهة ـ عربة واحدة درجة ثانية أو كما كان يقال أيامها «عربة ديوان» ذات مقاعد جلدية خضراء أو كانت خضراء قبل أن يأكل عليها الدهر ويشرب.. وطبعا ديوان الدرجة الثانية كان يحوي السادة الموظفين، أبناء الميري وأعوان الحكومة.. القليل منهم كانوا يدفعون ثمن التذكرة ولكن معظمهم كانوا يستقلون القطار المجهد المسكين على أساس استمارات من الحكومة ـ الأم، فهم اما موظفون في السكة الحديد ذاتها ويتمتعون بميزة المجاني «البلاش» أو أنهم قضاة أو وكلاء نيابة أو من أرباب الدرجة الرابعة الفنية من الكادر العالي ومرتباتهم تصل الى 40 جنيها فما فوق.. في الشهر طبعا وليس في الساعة، وكان ذلك مبلغاً جسيما ومهولا بأسعار تلك الأيام. مازالت ذكريات قطار الأرياف نابضة بالحياة في حنايا الوجدان.. قبل أن يظهر القطار في الأفق كان يعلن عن قرب وصوله باطلاق صفارة تشق عنان الجو المحيط في صرخة التياع.. بعدها تسمع ايقاع الماكينة القادمة وقد بدأت تردده القضبان الممتدة وقد تشابكت في انضباط محكم، وبعدها يدب النشاط لدى «عامل البلوك» الذي يقبع في كشك من قرميد أحمر مرتديا بدلة بترولية اللون وقد تلمحه عن بعد وهو يحرك رافعات من حديد هي التي يضبط بها مسار القضبان ويحدد من خلالها وصول ومغادرة القطارات. يصل القطار ـ القطر أو الوابور أو الباجور كما يسميه الناس ـ الى المحطة الريفية ينتفض المكان بالحركة.. يفرغ من أحشاء عرباته أفواجا من الركاب حاملين السلال والمقاطف وأقفاص الطيور، تختلط أصوات البشر بهدير الوابور (القاطرة الأساسية التي تجر العربات) بصيحات المستقبلين بنداءات بعض الباعة، الى أن يشق الأجواء صوت جرس المحطة مؤذنا برحيل القطار الى حيث محطته الأخيرة.. دقيقة أو دقيقتان ثم يسود الصمت من جديد. بعدها يعود المعلم الشاب ليخلو الى تأملاته فقد عاين جانبا من شريط الحياة المتلاحق.. بعدها يكاد المكان يخلو من البشر كأنما ليصبح ملكا لهذا الزائر القاهري، وعلى امتداد رصيف المحطة الريفية يعود صاحبنا ليردد حصيلة يومه من محفوظ ومأثور الشعر.. كم كانت الحافظة أيامها مفعمة بالنشاط وكم كانت الذاكرة مثل «ورق النشاف» لا تترك شاردة إلا وتطبعها فلا يفلت منها شيء. على أرصفة المحطة الاقليمية حفظت قصائد مطولة بمجرد ترديدها مستمتعا دون أن أراجع أبياتها من كتاب. أذكر من تلك القصائد مثلا رائعة ابراهيم ناجي بعنوان «العودة» وهي عندنا من روائع شعر الرومانسية ولست أدري إن كنت قد حدثتك عنها في يوم من الأيام، ويقول فيها ناجي الرقيق: دار أحلامي وحبّي لقيتنا في جمود مثلما تلقى الجديد أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا يضحك النور إلينا من بعيد لِمَ عدنا، أَوَلم نطو الغرام وفرغنا من حنين وألم ورضينا بسكون وسلام وانتهينا لفراغ كالعدم؟ رفرف القلب بجنبي كالذبيح وأنا أهتف: يا قلب إتئدْ فيجيب الدمع والماضي الجريح لم عدنا: ليت أنّا لم نعد