بدأت معالم العقيدة السياسية الجديدة للرئيس الأميركى جورج بوش تتضح شيئا فشيئا بعد الخطاب الذى ألقاه فى يونيو الماضى، أمام حشد من العسكريين الأميركيين فى كلية ويست بوينت حينما قال إن من حق الولايات المتحدة أن تسدد ضرباتها الوقائية إلى أى أمة تعتقد أنها تمثل خطرا عليها.. إن أميركا تملك قوة عسكرية غير خاضعة لقانون المنافسة، وترغب فى الاحتفاظ بهذه القوة، وهذا يجعل سباقات التسلح التى عرفتها حقب ماضية غير واردة. بهذه العبارة وضع بوش الولايات المتحدة فى صدر العالم وفرضها القوة التى لا تقهر ثم حدد الهدف الأول وهو العراق قائلا: «إن بلدانا مثل العراق أخطر من التعامل معها بسياسة الاحتواء فقط.. وإن الردع وهو الرد العنيف والجبار ضد الأمم لا يعنى شيئا بالنسبة لشبكات ليست لديها أمم أو مواطنون تدافع عنهم، أما الاحتواء فإنه غير ممكن حينما يملك الطغاة من الحكام أسلحة الدمار الشامل ويستطيعون إطلاقها بواسطة الصواريخ أو تسليمها سرا إلى المنظمات الارهابية الحليفة لهم. كانت هذه هى العناوين الرئيسة لكل الصحف الأميركية فى اليوم التالى لخطاب بوش الذى كان بداية لحملته ضد العراق، وبداية لتكليف فريق عمل كبير يعمل داخل الادارة لصياغة ما يسمي بعقيدة بوش التى من المقرر أن تناقش هذا الشهر أمام الكونغرس لاقرارها ومن ثم إجبار العالم على الانصياع لها والايمان بها، ومن بين مبادئ هذه العقيدة كما جاءت فى هذا الخطاب إن العالم لا يواجه صدام حضارات ولكن يشهد صراعا بين الأمم لتطبيق قيم مشتركة تقوم على الحد من نفوذ الدولة وسلطتها، واحترام النساء، والملكية الخاصة، وحرية التعبير، والعدالة للجميع والتسامح الدينى، وعلى الولايات المتحدة أن تساعد الدول الأخرى على تحقيق هذه القيم. إنه دين جديد للبشرية يبشر به الرئيس بوش، بل يفرضه على العالم من منطلق الهيمنة التى لا تخضع لقانون المنافسة وإنما قانون الخضوع ومن «ليس معنا فهو ضدنا»، ويبدو جليا أن الذين كانوا ينظرون إلى هذه الكلمات على أنها مجرد جمل فى خطابات بوش واهمون، إنها تصاغ الآن كمبدأ سيعرض على الكونغرس خلال هذا الشهر، ويعلن كمذهب وعقيدة جديدة للعالم الحر على الجميع أن يؤمن بها وإلا.. لكن يبدو أن عقيدة بوش هذه التى تلقى تأييدا داخل الادارة لاسيما من الصقور الذين وضعوها، والذين يعملون على الترويج لشركات صناعة السلاح التى يعملون مستشارين لها، أو الداعمين لاسرائيل من خلال انتماءاتهم العقيدية لها، تلقى رفضا لدى قطاع واسع من المسئولين السابقين والمؤرخين والباحثين الذين يرون أن الولايات المتحدة فى طريقها إلى النهاية ومن أبرز هؤلاء البروفيسور بول كيندى أبرز المؤرخين الأميركيين ومؤلف كتاب «صعود وأفول القوى العظمى» حيث نشر مقالا مطولا فى صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية يوم الثلاثاء الماضى 3 سبتمبر حذر فيه من جنون العظمة التى تعيشها أميركا وقال من الصعب علي كباحث فى التاريخ أن أعتقد بأن الولايات المتحدة لن تتعرض فى وقت من الأوقات لعدد كبير من الاصابات أثناء لعبها دور الشرطى الاستعمارى فى واحدة من العمليات العديدة والشائكة التى تنجر إليها، ثم مع اكتشاف تقنيات جديدة فى دول مثل الصين والهند فى العقود الزمنية المقبلة ربما عثرت هذه الدول على وسائل تبطل مفعول الهيمنة العسكرية الأميركية، على مر التاريخ جرى تحييد كل ثورة عسكرية هجومية بردود فعل دفاعية جديدة، فلماذا لا تكون الثورة الحالية مختلفة عن سابقاتها ؟ وكأن كيندى يرد على بوش فى مبادئ عقيدته هذه تماما مثل جيسكا ماثيوز رئيسة منحة كارنجى للسلام العالمى أبرز معاهد التفكير فى الولايات المتحدة التى قالت فى تحقيق نشرته الواشنطن بوست فى 2 سبتمبر الجارى إن رؤية بوش للنظام العالمى الذى يدار وفقا للمصالح الأميركية إنما يعتبر بمثابة روما الجديدة، وإن قراءتى للتاريخ تبين أن هذا النظام لن ينجح، ويبين التاريخ أن الدول جميعها تتحد ضد الدولة الأقوى وتتآمر عليها وأعود إلى بول كيندى الذى يقول ردا على العجرفة العسكرية لبوش بعدما تحدث عن حجم الانفاق العسكرى الأميركى فى الفترة المقبلة فكلما ازداد إنفاق البنتاغون على أعمال البحث والتطوير لتصبح القوات المسلحة فى البلاد أقوى من أى جيش أو سلاح بحرية فى العالم، ازداد لجوء أعداء أميركا إلى استخدام القوة غير التقليدية لالحاق الأذى بها.. إن القوة العسكرية لا تكفى أبدا لضمان السلام والامن حتى بداخل أميركا نفسها، ناهيك عن حماية المصالح الأميركية فى الخارج هذه رؤية الذين يفهمون التاريخ فى أميركا لكن من يسمعهم أو ينصت لهم أو يستشيرهم؟ لم يعد هناك إلا صوت واحد هو صوت الغطرسة.. غطرسة القوة التى جعلت بوش يدعو العالم إلى أن يؤمن بالعقيدة الجديدة.. عقيدة بوش. ـ كاتب واعلامي مصري