قيل الكثير في الولايات المتحدة وفي العالم العربي، وخصوصا في لبنان لأسباب تتعلق ببعض الأطراف فيه، عن قانون محاسبة سوريا للعام 2002 الذي يبدأ الكونغرس الأميركي بمجلسيه (الشيوخ والنواب) دراسته في النصف الأول من سبتمبر الحالي. لكن نظرة متأنية على مشروع القانون، وعلى المواد الاتهامية التي يتضمنها، توضح بما لا يدع مجالا للشك أن قوى اسرائيلية الهوية بكل معنى الكلمة، وليس قوى أميركية صهيونية فقط، هي التي بادرت الى وضع المشروع ثم عمدت لجمع تواقيع أعضاء في الكونغرس عليه، بهدف واحد لا غير هو خدمة اسرائيل أولا وقبل كل شيء. وفي المرحلة الحالية من دق طبول الحرب ضد العراق، والضغط بوسائل متعددة ـ سياسيا واقتصاديا ـ على مصر والسعودية فضلا عن السلطة الفلسطينية وغيرها من الأطراف العربية، فالحركة الاسرائيلية التي تستهدف سوريا، ولبنان طبعا، انما تعمل على استكمال الدائرة التي تطوق بها الأمة العربية على طريق اسقاطها في المخطط الأسرائيلي القديم ـ الأميركي الجديد لاعادة رسم جدية وجذرية لخريطة المنطقة. بين بنود الاتهام في مشروع القانون حديث عن دعم دمشق ورعايتها للإرهاب من خلال تأييدها لحزب الله وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة. ومن بينها حديث عن امتلاكها وتطويرها أسلحة دمار شامل ... بيولوجية وكيميائية وحديث عن استمرار احتلال سوريا لأراض في لبنان بقوات تصل الى حوالي عشرين ألف جندي فضلا عن استلامها بصورة غير مشروعة ما بين 150 و200 ألف برميل من النفط العراقي خلافا لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة وبرنامج النفط مقابل الغذاء الخ.. بنود اتهام هي، في التحليل الأخير، عبارة عن غطاء، مجرد غطاء، للأهداف المبيتة لدى اسرائيل أولا ودائما (ولدى الولايات المتحدة الأميركية بادارتها الحالية ثانيا) ضد العالم العربي كله وليس ضد سوريا فقط. أما دلائل ذلك فكثيرة، بما فيها أخيرا تسريبات اسرائيل الصحافية، ثم تعمد تأكيدها رسميا بعد ذلك بساعات، عن انتقال ما بين 150 و200 من عناصر تنظيم القاعدة الى مخيم عين الحلوة الفلسطيني في جنوب لبنان (بترتيب ورعاية من سوريا) ، وعن معلومات لدى دمشق عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأميركية أخفتها عامدة متعمدة عن واشنطن. لكن التدقيق في حيثيات تلك البنود، وفي الصيغة والصياغة اللتين قدمت فيهما للكونغرس وللرأي العام في الولايات المتحدة، يكشف المخبوء في الأمر اضافة الى أنه يعطي المؤشر الى أن المقصود هو شيء آخر تماما. هذا الشيء هو معاقبة سوريا، وتاليا كل دولة وحتى كل قوة عربية ترفض الشروط الأسرائيلية في ما يتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي وتصر في الوقت نفسه على تحرير الأراضي العربية المحتلة حتى آخر شبر منها. وفي مشروع القانون، بحسب نصه، ثلاث فقرات يمكن ان تمر من دون انتباه أحد لأنها لا ترد في الأسباب الموجبة، لكنها تحشر لاحقا بين السطور، ليتم اذا فرض عقوبات على سوريا ـ وربما على غيرها في ما بعد ـ وفقا لما ورد في هذه الفقرات وتحت حجتها. تقول هذه الفقرات بالحرف ما يأتي : لقد سحبت اسرائيل قواتها المسلحة كلها من لبنان بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 425 (19 مارس العام 1978) كما يشهد بذلك الأمين العام للأمم المتحدة. حتى في مواجهة شهادة الأمم المتحدة هذه التي تقرر التزام اسرائيل الكامل القرار 425، فأن سوريا تسمح لحزب الله ولمنظمات مسلحة أخرى بمهاجمة المواقع الاسرائيلية في مزارع شبعا، بذريعة كاذبة هي أنها اراض لبنانية، كما أنها تسمح بمهاجمة المواقع المدنية في اسرائيل. ان على حكومتي سوريا ولبنان ان تدخلا في مفاوضات جدية، ومن دون شروط مسبقة، مع حكومة اسرائيل من اجل اقامة سلام دائم. ولا يقف مشروع القانون عند هذا الحد، بل يضيف الى ذلك قوله: لن تسمح سوريا للبنان ـ الدولة المستقلة ـ بممارسة التزامه وفقا للقرار 425 نشر قواته في الجنوب اللبناني ... ونتيجة لذلك تبقى الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية ومعظم الجنوب اللبناني تحت سيطرة حزب الله الذي يواصل هجماته على المواقع الأسرائيلية، ويسمح للحرس الثوري الايراني ومجموعات مسلحة أخرى بالعمل بحرية في هذا القطاع مهددة الأستقرار في المنطقة كلها. ـ ماذا يعني ذلك، تكتيكيا واستراتيجيا، على المستوى السياسي؟! ـ بغض النظر عن العقوبات التي يدعو مشروع القانون ادارة الرئيس جورج بوش لفرضها على سوريا، وبغض النظر أيضا عن موقف هذه الادارة من المشروع في أثناء دراسته ومنه اذا أقر وتحول الى قانون، فمن الجلي أن أحد أهدافه، ان لم يكن هدفه الوحيد، الضغط على دمشق خدمة لاسرائيل وتنفيذا لسياساتها العدوانية والتوسعية في المنطقة. وليست سوريا وحيدة في هذا المجال، ولا هو لبنان كذلك، برغم أن أراضيهما في مرتفعات الجولان وفي مزارع شبعا (فضلا عن فلسطين طبعا) هي وحدها التي ترزح تحت الاحتلال الاسرائيلي من دون غيرها من الأراضي العربية. وبهذا المعنى فقانون محاسبة سوريا للعام 2002 يصلح لمحاسبة أية دولة عربية الآن وفي المستقبل القريب أو البعيد. وحده شطب اسم سوريا من النص واستبداله باسم أية دولة عربية أخرى سيكون كافيا لتعميم المحاسبة على الجميع ما دام العالم العربي كله تقريبا يقف، الى هذا الحد أو ذاك، في وجه حمام الدم الاسرائيلي المستمر منذ عامين كاملين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما دام هذا العالم يصر على التنفيذ الكامل لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بالجلاء عن الأراضي المحتلة حتى حدود الرابع من يونيو العام 1967. أكثر من ذلك، فبنود الأتهام في مشروع القانون تصلح للاستخدام في كل حين، وفي كل مكان، وضد أي كان في العالم الذي توجه الى بعض شعوبه ودوله حاليا تهمة معاداة السامية لمجرد التظاهر في شوارع بعض مدنها تنديدا بسياسات ارييل شارون، واستخدامه أحدث أنواع الأسلحة الجوية والبرية والبحرية لقمع الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. الارهاب، ممارسة ودعما وايواء، تهمة جاهزة لوصف كل من يقول كلمة لا لشارون ولسياساته، حتى لو كان القائل من المنظمات غير الحكومية أو من دعاة السلام والمدافعين عن حقوق الانسان في فرنسا أو بلجيكا أو غيرهما، بدليل ما حدث في الفترة الأخيرة عندما اعتقلت سلطات اسرائيل، ثم طردت الى الخارج، أعضاء من هذه التنظيمات قدموا اليها للتعبير عن رأيهم بالتظاهر أمام مقر شارون. كذلك هو الاتهام بامتلاك أو تطوير أو حتى توفر القدرة العلمية لانتاج أسلحة الدمار الشامل، وأيضا الاتهام بانتهاك الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.. في الوقت الذي تمارس اسرائيل ذلك كله، امتلاكا وتطويرا وانتهاكا، من دون أن يرف جفن أحد في الكونغرس او في الادارة الأميركية ردا عليها. لقد وضع قانون محاسبة سوريا للعام 2002 تحت مظلة الاتهام بالارهاب، تماهيا مع مقولة بوش في حربه الشاملة على الارهاب من ليس معنا فهو اذا مع الارهاب. وتحت مظلة امتلاك وتطوير أسلحة الدمار الشامل تماهيا مع مقولته عن محور الشر الذي حدده في المرحلة الأولى ـ كما قال ـ بثلاث دول هي العراق وايران وكوريا الشمالية .. ليشمل في مراحل لاحقة أكثر من اربعين دولة، وتماهيا طبعا مع حربه المعلنة حاليا ضد العراق. وقد نصبت له من بعد مظلات أخرى مثل احتلال لبنان واستيراد كميات من النفط العراقي بصورة غير شرعية، لمزيد من التغطية على الأهداف الحقيقية وراء القانون ووراء محاسبة سوريا .. اسرائيليا في المقام الأول وأميركيا بعد ذلك. وتنصب عمليا المظلة الأساسية في طرح مشروع القانون للمناقشة في الولايات المتحدة وفي العالم عشية ذكرى مرور عام على احداث سبتمبر، وحملة اثارة المشاعر التي تقوم بها واشنطن بهذه المناسبة. وقد يصح ان الأدارة الأميركية لا تدعم مشروع القانون، كما قال مساعد وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد لدى زيارته دمشق في الأسبوع المنصرم. وقد يصح أيضا ان يقر الكونغرس صيغة المشروع ليتحول الى قانون، ثم تعمد الادارة الى عدم تنفيذه وفقا لصلاحياتها. الا ان ذلك لا يقلل من أهمية، بل ومن خطورة، الأهداف التي يرمي اليها من ورائه. وهي أهداف ممارسة الارهاب ضد سوريا ولبنان والشعب الفلسطيني، وتاليا الأمة العربية كلها، من أجل الخضوع للاستراتيجة الأميركية ـ الاسرائيلية في الشرق الأوسط. ـ كاتب لبناني