مع فشله في بناء اجماع دولي لدعم الخطة الأميركية المزمعة لغزو العراق فان الرئيس بوش قد يتراجع عن مغامرته. لكنه قطعا لن يكون إلا تراجعا مؤقتا. فالطبيعة الجوهرية لمؤسسة السلطة، في الولايات المتحدة حاضرا وماضيا ومستقبلا تنطوي على العدوانية المنهجية الثابتة. هذا على الأقل ما يفيد به التاريخ المعاصر لهذه الدولة العظمى. طوال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولمدى نصف قرن تقريبا حتى الآن ظلت الولايات المتحدة في حالة حرب، اما مباشرة او غير مباشرة. وفي كل الحروب التي خاضتها خلال هذه الحقبة او شاركت فيها بصورة غير مباشرة او حرضت على اشعالها كانت هي الطرف المعتدي. لقد اشعلت اميركا الحرب الكورية في أوائل خمسينيات القرن الماضي لمنع قوات الثورة الكورية الاشتراكية في الشمال من مواصلة زحفها جنوبا وبالتالي للحيلولة دون قيام دولة كورية موحدة تحت راية اشتراكية. وكانت النتيجة انقسام كوريا الى دولتين، شمالية وجنوبية، وتشتت الاسر الكورية على جانبي الخط الحدودي الدولي. بعد ذلك مباشرة انتقلت الولايات المتحدة الى فيتنام لاشعال حرب أهلية مماثلة مع المشاركة المباشرة فيها، كما جرى في شبه الجزيرة الكورية لمساندة طرف قتالي على آخر. وامتد التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، بصورة غير مباشرة أولا، ثم ارسال نصف مليون جندي اميركي لاحقا، لعشرين عاما. ورغم ذلك خرجت اميركا مهزومة مما أتاح توحيد الجنوب الفيتنامي مع الشمال في كيان دولة واحدة. واثناء تورطها في المستنقع الفيتنامي الذي اودى في النهاية بحياة 86 الف اميركي دخلت الولايات المتحدة خلال عقد الستينيات في مغامرة عسكرية للاطاحة بنظام الرئيس فيديل كاسترو في كوبا المجاورة منيت بفشل صارخ. ولاحقا دخلت في مغامرة مماثلة لاسقاط نظام «الساندنستا» الاشتراكي في نيكاراجوا فكان لها هذه المرة ما أرادت. ومن وراء الستار كان للولايات المتحدة دور مهم في الحرب العراقية الايرانية خلال عقد الثمانينيات. وكانت الاستراتيجية الاميركية تجاه هذه الحرب تقوم على دفعها للاستمرار لأطول فترة ممكنة لتشجيع الدولتين الاسلاميتين لتدمير بعضهما البعض.. فكان الطرف العراقي يتلقى معلومات استخباراتية دقيقة حول الأهداف الايرانية من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بينما كان الطرف الايراني يتلقى من اطراف ثالثة بترتيب اميركي صواريخ وقطع غيار لسلاحه الجوي. وبالطبع كانت حرب الخليج الثانية مع بداية عقد التسعينيات تدبيرا اميركيا بالدرجة الأولى. ان ما يستخلص من هذه الوقائع هو ان مؤسسة السلطة في الولايات المتحدة مبنية على طبيعة عسكرية عدوانية بصرف النظر عن الانتماءات السياسية للرؤساء المتعاقبين في البيت الأبيض. فالحرب الكورية أشعلها رئيس ينتمي الى «الحزب الديمقراطي» هاري ترومان.. والحرب في فيتنام تناوب على تسعير نارها رئيسان «ديمقراطيان» ـ كينيدي وجونسون ـ ورئيس ينتمي الى «الحزب الجمهوري».. وهو ريتشارد نكسون. اما الحرب العراقية الايرانية فقد اشرف على استمرارها رئيس «جمهوري» هو رونالد ريغان. والآن يستعد رئيس جمهوري آخر ـ جورج بوش الابن لشن حرب مباشرة ضد دولة عربية. لكن لماذا تنطوي المؤسسة السلطوية الاميركية على نزعة طبيعية عدوانية لا تنتهي من حرب حتى تفكر في حرب لاحقة؟ ولننتبه الآن الى ان بوش يخطط للحرب ضد العراق بينما في الوقت نفسه يقوم جنرالاته بادارة حرب مشتعلة في أفغانستان. والاجابة عن السؤال هي ان مانراه من رموز سلطوية في الولايات المتحدة كالبيت الابيض والكونغرس بمجلسيه ليست سوى ديكور خارجي. ان الرئيس وطاقم الرئاسة بما يضم من وزراء ومستشارين واعضاء الكونغرس من الحزبين الكبيرين.. كل هؤلاء ليسوا سوى دمي تحركها من وراء ستار قوة عملاقة خفية. هذه القوة تمثل فيما يطلق عليه «المجمع الصناعي العسكري» الذي يجمع ملوك شركات صناعة الاسلحة.. هذه الصناعة التي لا تروج لها اسواق إلا بالحروب.. فالحروب هي التي تخلق الطلب على سلعة السلاح. ومهمة مؤسسة السلطة الاميركية هي اذن اولا خلق مبررات لاشعال حرب، وثانيا اشعال الحرب فعلا.