وقت العاجزين أسئلة، وتراهم يروغون من مدى السؤال ومدى الجواب معاً إلى ظلال المنطق والواقع والممكن، والسلم والأسلم، وتجدهم يعجنون أنفسهم وكلماتهم ومواقفهم بالحكمة، وكأنها تعشقهم ولا يعشقون سواها. وحين تصل النيران إلى أطراف أثوابهم تصبح تغيب الحكمة في مدى الذعر، ويحارون كيف يطفئون الحريق، ويتبخر الهدوء الذي يصاحب الحكمة عادة، ويبدو الأفق مسدوداً أو شبه مسدود، وتستوفي النار نصيبها، ويختزن الحكماء الذكرى والدموع في آبار الحزن المقيم ثم يعودون إلى دائرة العجز الذي يتصنع الحكمة أو يصطنعها. ولا أقول ذلك لأعلي شأن جنون عظمة الأقوياء على حكمة الضعفاء، فالأقوياء من ذاك النوع يتحولون إلى كتلة شر تفسد العالم وتروعه، وتسوغ أفعالها بذرائع شتى ولا يهمها أن تملك الحق أو الحكمة لأن ما يهمها أن تفرض ارادتها وتملي على الآخرين احترام تلك الارادة والنظر الى نتائجها على الأرض وكأنها الحقائق المطلقة والأخلاق الفضلى وخلاصة الحكمة. ونحن اليوم في دائرة شر مجنون يطلقه من عقاله اعداء للبشرية والحرية والعدل يقدمون أنفسهم رأس الأخلاق والفضيلة والحكمة، وتجعلهم قوتهم يظهرون كذلك بنظر الناس، ولا مخرج لنا من تلك الدائرة الا بامتهان الحكمة والجلوس على قارعة الطريق لتقديمها مجاناً للناس. الفعل العربي الممكن هكذا أرى وضعنا في فلسطين منذ سنوات وسنوات، وهكذا أراه في العراق أمس واليوم، وهكذا أراه في العلاقات الداخلية التي تقسمنا قسمين في كثير من الحالات: قسم يدخل دائرة جنون القوة وقسم آخر يدخل دائرة الحكم بضعف، أو دائرة ضعف الحكمة بالرعب المستدام. ومن موقعي اللائب بين مناقع الدم وحصاد البؤس فيما يشبه آثار داحس والغبراء، بين أنظمة وأخرى، ومعارضات وسُلَط، ومقاومة وارهاب دولة، وأطفال يطلبون الحماية من سيف النازي الصهيوني من أمة مبعدة عن ارادتها ولا تملك حتى منابع دموعها من جهة، وبين قوة ظلم غطت الآفاق، يقودها كل فاسد مفسد أفاق، يريد الدنيا وما عليها، ولا يعجبه شيء فيها أكثر من دم عربي مراق على رماد مسجد أو بيت، ومسلمين مدمرين ممزقين أشلاء يتشفى منهم ويسيطر على مواطنهم ويعيد تكوينهم الديني والثقافي والمنطقي وفق ما يشاء، لأنه يملك من قوة الدمار الشامل ما لا يملكون ويقتضي ذلك أن يحاسبهم على أنهم يسعون لامتلاك ما يملك، وذاك احتكار الأقوياء، فكيف يتجرؤون عليه، ويجرأون على ارتكاب جريمة لا تغتفر؟!. وقفت على أبواب عام العراق هذا، وجرح فلسطين ينزف في أعماقي لما يزل، وسيف الجلاد الأميركي فوق عنقي، وقفت على مفرق من زمني أسأل نفسي وأعلي الصوت ليسمع السؤال سواي، ولست في موقفي هذا بعيداً عمن يدفنهم العجز في الأسئلة حين تحاصرهم من الزمن مفاصله القاسيات: ماذا لو نفذت الولايات المتحدة الأميركية تهديدها وضربت هي وبريطانيا والكيان الصهيوني العراق بكل قوتها التي تحشدها الآن في البحر والبر وفي أقطار عربية من ذينك البحر والبر، وتستكمل حشدها وجمع المعلومات التي تسبق المباشرة بالعمل في ساعة الصفر؟! ما هو الفعل العربي الممكن، ولا أقول المنقذ، خارج حدود ما نعهده من صراخ وشجب واحتجاج وبيانات ونداءات وسعي لوضع القضية أمام مجلس الأمن الدولي، ومن ثم زيارة الوفود للعراق بعد الكارثة تحمل العواطف والدموع وتقدم المساعدات، لا سيما بعد أن أكد وزراء الخارجية العرب قرار قمة بيروت 29،28 مارس 2002 وقالوا من القاهرة في الخامس من شهر سبتمبر الجاري: ان العدوان على العراق هو عدوان على الدول العربية كلها؟! وما هي قيمة ذلك الموقف العربي، أو حتى الفعل العربي، وقوة حضوره وتأثيره في ساحة المعركة وفي النتائج العامة لها، ما دام لا يتجسد قوة فعلية في الميدان تدخل في أثقال ميزان القوى وحساباتها، وتشوبه شائبات الخرق من أقطار عربية تقدم قواعد وتسهيلات للقوة المعتدية؟! وما هو الموقف الذي يمكن الاعتماد عليه دولياً لوقف العدوان الوشيك والكارثة التي تنذر المنطقة كلها بدمار سياسي فضلاً عن الدمار العمراني، وتنذر باحتلال مباشر للأرض ومنابع النفط واعادة رسم الخريطة الجيو ـ سياسية للمنطقة؟! وما هو المتوقع أن تفعله دولة تعاني من شرور الحصار والعدوان الأميركي ـ البريطاني المستمر عليها منذ أحد عشر عاماً، بعد أن تم تدمير قواتها المسلحة أو معظم تلك القوات في عام 1991 ولم يسمح لها بأن تعوض شيئاً مما خسرته؟ ان من الطبيعي أن تعلن أنها ستدافع عن نفسها وأنها تستعد أو مستعدة؛ ولكن هذا شيء والأداء على أرض المعركة وفق تقديرات القوة شيء آخر. الا اذا أريد لنا أن نصدق الرئيس الأميركي جورج بوش الذي يقول:ان العراق يملك قوة كبيرة ويطور أسلحة دمار شامل تهدد الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها وجيران العراق والمنطقة والعالم؟! وهو قول لا يمكن تصديقه. الارادة الغائبة ولا أدري هل يمكن أن يبتلع العراق والعرب والعالم وهماً بهذا الحجم، وهم يعرفون أنه يصنع ويروج لكي يسوغ ضرب العراق تنفيذاً لاستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية وخدمة لمصالحها وتلبية لمطالب الكيان الصهيوني، ذلك الذي يريد ضربة قاصمة للعراق ونهاية للحلم العربي بامتلاك القوة من أي نوع، في الوقت الذي يواصل فيه ذلك الكيان استهتاره بكل ما يصدر عن العرب من مواقف ومبادرات سلمية آخرها مبادرة قمة بيروت، ويتابع تنفيذ مسلسل ابادة ضد الشعب الفلسطيني، ويعلن على لسان رئيس أركان جيشه أن ذلك الشعب سرطان ينبغي أن يُستأصَل: «أنا أدعي أن هذا سرطان، تشخيصي المهني هو أن هذه ظاهرة تمثل خطراً وجودياً» موشي يعلون أمام مؤتمر الحاخامات اليهود السنوي في فلسطين المحتلة، الأسبوع الأخير من شهر اغسطس 2002 ـ لكي يعطي لسلطة الحكم الذاتي فيما بعد، دولة «مدينة في غزة» تكون شكلية السيادة وتحت السيطرة الصهيونية التامة؟! كيف يمكن أن نواجه خطراً داهماً، نقول انه عدوان علينا جميعاً، يستهدفنا دولة بعد دولة، ونحن لم نتحرك تحركا جدياً واحداً يشعر المعتدي أننا جادون فيما نقول، وأن قواتنا العربية المسلحة تستعد لمواجهة العدوان ؟! قد يقال: وهل نحن «قد الحمل»، هل نواجه أكبر قوة دولية في العالم، هل نثير النار ونمدها بالحطب ونحن وقودها الأكثر اشتعالاً؟! الوقائع على الأرض تشير الى خلل خطير في ميزان القوة لمصلحة أعدائنا، على فرض أننا جبهة عربية واحدة تريد أن ترد رداً موحداً على عدوان يقع «على دولها جميعاً». ولكن حقيقة الأمر لا تقترب من مجرد اعطاء اشارة واحدة ذات جدية ومصداقية مقنعة أو مؤثرة توضع في حساب الذين يجرون حساباتهم الاستراتيجية ويبنون على تلك الحسابات تحركاً عملياً. والقول بالمواجهة العسكرية قد يبدو استدراجاً للعرب ليقوم حلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ـ والكيان الصهيوني جزء منه عملياً من خلال التحالف مع الطرف الرئيسي فيه ـ بتحقيق ما يرسمه لهذه المنطقة، رغم قول من يقول ان أوروبا تعترض على عدوان أميركي على العراق. لأن اعتراضها لن يقودها عملياً الى مواجهة المعتدي، ولأنه عملياً لم يقدم العرب ولا الأوروبيون شيئاً على الأرض لانقاذ الشعب الفلسطيني من موجة الذبح المتصاعدة منذ سنتين، رغم الاعتراض والتحرك البهلواني في كل اتجاه. ولا يعدو دور الاتحاد الأوروبي التحرك ضمن الهامش المتفق عليه مع الولايات المتحدة الأميركية، والترويج للأفكار والمشاريع الأميركية ـ الصهيونية مع اعطاء مدى أوسع للعدوان وصيغ أفضل لمصلحة الكيان الصهيوني، وتثبيط أشد وأقوى للعرب. وآخر ذلك مبادرة بيرسينغ مولر التي أصبحت مبادرة الاتحاد الأوربي، حيث ركنت المبادرة العربية على الرف، ويصدق فيها أو في الوضع بصفة عامة قول رئيس دورة اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير الوزير محمود حمود من القاهرة السماء تمطر مبادرات والأرض تشتعل»؟! ما أتوقعه أن الضربة الأميركية للعراق، التي أصبحت مقررة أو مؤكدة ستكون شديدة وصاعقة وقريبة، ويراد لها أن تحدث شللاً داخلياً للحكومة والجيش في العراق وتترك الشعب هناك في العراء، ومن ثم تثير البلبلة الممكنة بين أوساطه في طول البلاد وعرضها ليتاح «للمعارضة» المتعاملة والقوات الأميركية المحتشدة قرب الحدود ـ يقال انه على حدود العراق 250 ألف جندي أميركي، وهناك من هم في شمال العراق وتركيا..الخ ـ أن تتحرك في الداخل ومن الخارج نحو الداخل، بدعم مستمر من القوى المعتدية. ولن يكون الكيان الصهيوني بعيداً عن التخطيط والتنفيذ، بل هو في صلب الموضوع. وكما استفاد من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وجيرها لمصلحته فدمر وقتل وحاصر واعتقل وارتكب أبشع المذابح بحق الشعب الفلسطيني تحت اسم مكافحة الارهاب، أي المقاومة المشروعة لاحتلاله، فانه سوف يستثمر المرحلة الحالية من حرب الولايات المتحدة الأميركية على العرب والمسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر وبسببه: أفغانستان وفلسطين ثم العراق ليحقق أهدافه الاستراتيجية، حيث سيفتك فتكاً ذريعاً بالشعب الفلسطيني ولن يكون هذه المرة بحاجة لصاروخ يطلقه العراق على فلسطين المحتلة ليشن عدواناً، ولكن اذا ما فكر العراق بتوجيه أي صاروخ الى فلسطين المحتلة فسيكون ذلك هو المدخل المنتظر ليستخدم الكيان الصهيوني أعتى أنواع أسلحته التدميرية وهو يدخل مباشرة في العمليات العسكرية بحجة الدفاع عن النفس!؟. وربما اجتاح الأردن مع القوة الأميركية المهيأة هناك تحت ذرائع اضافية منها خطورة الوضع الداخلي على النظام، وبذلك يدخل اليهود الأردن وأرض العراق تحت الراية الأميركية ومكافحة الارهاب والقضاء على أسلحة الدمار الشامل، ويقبعون في الخاصرة الجنوبية لسوريا. والأردن فيما يبدو على خط هذه الحملة مثلما هي قطر، حيث يزود الآن بطائرات وصواريخ باتريوت لمنع ما يقال انها هجمات قد يشنها العراق على الكيان الصهيوني عبر الأجواء الأردنية. ومن الملاحظ أن الأردن يأخذ لنفسه هامشاً استثنائياً في التعامل مع الكيان الصهيوني رغم القرارات العربية بالمقاطعة وتضييق دائرة التعامل والاتصال، فقد تعاون معه في قمة الأرض بجوهانسبيرغ بتقديم اقتراح مشترك، رغم الاعتراض العربي.. ولهذا عندي دلالته التي تضاف لمشاركة الأمير حسن في اجتماعات المعارضة العراقية؟!. الممكن والمرتجى وبعد فما هو الممكن الآن، وما هو المرتجى؟! أشعر أن دائرة الأسئلة تستقطبني اليها وتشدني من جديد: ـ هل نجد تحركاً شعبياً عربيا لا تردعه سلطات عربية يقوم بضرب المصالح الأميركية على الأرض اذا ما بدأ العدوان، ورسالة تقول ذلك بحزم قبل العدوان لتدخل في الحسابات السياسية والاستراتيجية لذوي الحسابات في واشنطن، أم أن ذلك سلاح لا يستخدم حتى لو أطبقت السماء على الأرض؟! ـ هل يقوم العمال العرب بوقف أنواع الخدمات كلها في المرافق والموانيء الجوية والبحرية والبرية التي تستفيد منها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا؟! ـ هل يتوقف تقديم النفط المصري، ولو بنسبه القليلة، للكيان الصهيوني؟! ـ هل يسحب السفراء العرب من الكيان الصهيوني كما يسحبون في حالات الخلاف حول قضايا منها البرامج الاعلامية؟! ـ هل يتدفق المتطوعون والمقاتلون من كل الجبهات ليقفوا مع اخوانهم الفلسطينيين عندما يستفرد بهم العدو الصهيوني في خضم انشغال العالم بعدوان أميركي ـ بريطاني على العراق؟! ـ هل نهيئ أنفسنا وننظم قوانا الفاعلة لنقدم للعراق وللشعب الفلسطيني قبل المحنة وفي أثنائها ـ لا سمح الله ـ ما يمكن أن يكون عوناً حقيقياً لهم في المواجهة مع العدو؟! ـ هل نعلن منذ الآن أن الولايات المتحدة عدو، وهي لا تكف عن اعلاننا أعداء لها وتعاملنا كذلك، في الوقت الذي تفتك فيه بارادتنا وتهددنا وتنصر عدونا الصهيوني علينا في كل قضية وكل حين؟! ـ هل يجتمع وزراء الدفاع العرب ليتداولوا في موضوع الخطر الداهم والعدوان الآثم، ونتائج ذلك على الأقطار العربية والقضايا الرئيسة للأمة وفي مقدمتها قضية فلسطين التي ستصفى بتهجير وتوطين جديدين على حساب العراق والشعب الفلسطيني؟! هل. هل .. هل.. والعرب على أبواب المحنة.. الامتحان؟! لقد غرقتني الأسئلة، وغرقتكم بها.. ولكن.. ثقتي ببقاء أمتي العربية وانتصارها لم تغرق في خضم أسئلتي. سيبقى ايماني بذلك أكبر من الضعف والموت والاحباط والتآمر والقتل والعدوان.. أكبر من الصهيونية النازية والغطرسة الأميركية، وعنجهية بوش وارهاب شارون وتواطؤ توني بلير مع الشر والارهاب والجريمة. سيبقى العرب وسيبقى المسلمون وسيبقى العراق وستبقى فلسطين عربية، وسيكون النصر لنا بعون الله، لأن غرق القوي في الشر والغطرسة وجنون العظمة وبحار الظلم والدم هو بداية نهايته، وفقده لميزان الخلق ومعايير العدل أو طريق سقوطه، ولأن ضعفنا وتفرقنا واستلاب ارادة بعضنا نحن العرب ليس قدراً ولن يدوم الى الأبد.. فأبناؤنا قادمون ليغيروا الواقع ويصنعوا النصر ان لم نفعل نحن. ولا بد من يوم ينجح فيه العرب في الامتحان ويتجاوزون المحن. ـ رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العرب