توقفنا البارحة امام الصفة السابعة التي تأتي على خارطة الصفات الخاصة بالاشخاص المؤثرين، وهي كونهم يقاومون التشكل الحضاري الدخيل، لكن دون تحفظ وتزمت. وهي نقلة اخرى نقلنا اليها عالم النفس «ماسلو» ووضعنا مباشرة امام الجوهر الذي تشكلت منه بقية الصفات الاخلاقية والسلوكية لفئة الناجحين من الناس. ولان لكل اثر سبباً، ولكل مولد طاقة، فان هذه الصفة هي وقود الصفات الاخرى التي شغلنا بالحديث عنها في اليومين الماضيين. حيث انه من الصعب تصور ذلك الكم من الصفات الفريدة دون ان يكون هناك تصور لدور المباديء في حياة هؤلاء الافراد، ودون ان تتوفر لديهم ارضية فكرية صلبة تستعصي على الذوبان امام العروض الثقافية الوافدة. وما لم يكن لكل فكر جديد جوهر يستحق الالتفات اليه، والاهتمام به، فان مصير ركام الافكار الهشة ان تطأها اقدام هؤلاء المتميزين الذين ينشغلون بالجوهر عن المظهر الكاذب، والذين لا يعانون من عقد النقص التي تدفع سواهم الى الانبهار والشعور بالهزيمة امام الغريب الوافد من العروض الثقافية المزركشة. ويحضرني في هذا المقام ذلك الجواب المقنع الذي ردّ به دكتور احمد زويل على سؤال احد الصحفيين العرب، حين سأله الصحفي: كيف استطعت ان تواصل مشوارك العلمي، وتحافظ على اهدافك الطموحة دون ان تثيرك الحياة الصاخبة في الولايات المتحدة؟ لقد كان جواب دكتور احمد زويل متطابقا تماما مع الصفة التي نعرض لها حين اجاب قائلاً: لم تستثرني الحياة الصاخبة في اميركا لأن ليس من عادتي الانبهار بالاشياء المبهرجة، ولا يعنيني امر الالتفات اليها. ورغم ان دكتور زويل ليس من عادته الانبهار، ورغم محافظته على القيم التي حملها من مصر الى اميركا ورغم افتخاره الشديد، وحرصه على ان يقدم نفسه للمجتمع الاميركي بانه عربي ومسلم الا ان ذلك لم يحرمه لحظة من الاستفادة من شتى الوسائل التي تفتح له نافذة على المعرفة والتجديد. والرجل كما هو معروف عنه يحافظ على روحه الشرقية وانتمائه القومي الا انه يستجيب، الى المدى البعيد، مع متطلبات النمو والبناء حين يسخر الامكانات العلمية التي توفرت له في الارتقاء بالحياة من حوله، واضافة بعد جديد للمعرفة الانسانية لم يكن لها به عهد من قبل. وحين تسلم الجائزة التي رفعت اسمه عاليا وادخلته بوابة التاريخ ظل محافظا على صومه ورفض ان يتناول المرطبات لان التكريم اتاه في شهر رمضان، هذه الروح القوية المحافظة على جوهر انتمائها للعقيدة الصحيحة هي ذاتها التي تحمل الفرد على ان يكون مرناً متفهماً للغة العصر من حوله، مما يجعله يسير بخطوات آمنة مهما كان الطريق الذي يمضي فيه. وقد شرح عالم النفس الشهير الصفة الثامنة للاشخاص المؤثرين بأنهم يهتمون بسعادة الانسان والبشرية، ولو أتينا لنسقط هذه الصفة على قيادات العالم السياسية اليوم فلسوف تسقط الاقنعة عن قحط شديد، وسراب اكيد يلف كيان قيادات العالم السياسية اليوم، ويجعلهم ابعد من السماء عن الارض في التوافق مع هذه الصفة وهو ما يقودنا الى البحث عن بدائل اخرى من البشر يستطيعون ان يحققوا هذا المطلب العظيم ويمارسوا دورهم في الاهتمام بسعادة الانسان والبشرية. ولو اسندنا الامر الى العلماء وحدهم فسوف نجد فجوة هائلة من الفراغ النفسي، والذهول عن متطلبات هذا الدور، نظراً لانغلاق عدد كبير من العلماء البارزين على ابحاثهم الخاصة دون ان يعتنوا بأمر اسعاد البشرية او التخفيف من آلامهم، ولا ادل على صدق هذه الحقيقة من تلك المنتجات الطبية التي هي نتيجة تراكم الجهود العلمية، وسنوات البحث والتفرغ، ثم يأتي ممولو هذه الابحاث للاتجار في تلك الادوية، والمزايدة عليها بأسعار يعجز الفقراء عن الحصول عليها، ثم لا نرى صوتا يرتفع لعالم منهم يندد باحتكار الدواء، او يشجب تلك الوسائل الابتزازية التي تسخر من آلام الفرد، وتوظف اوضاعه البائسة في المزيد من إذلاله وتركيعه لاصحاب الشركات الدوائية العملاقة. ان الكرة الان في ملعب الفكر النظيف، الذي يجعل الانسان يواجه ذاته، ويتصدى لمسئولياته في الحياة ويرفض ان يكون كما مهملاً، او حارساً متخاذلا يجيد الاخذ دون ان يتحرك للدفاع عن مقومات الحياة الكريمة للبشرية التي طال ظمؤها لحراس شرفاء يجيدون العزف على وتر التعاون بين البشر ويحرسون القيم الانسانية من ان تتلوث او تداس. هذا، ولا يزال البحث جاريا عن شخصيات تتمثل فيها هذه الصفات لتستلم دورها النزيه العادل في صياغة مستقبل الانسان على ظهر هذا الكوكب الحزين!!