كان حاتم من شعراء العرب، وكان جوادا يشبه شعره جوده، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرا، اذا قاتل غلب، واذا غنم انهب، واذا سئل وهب، واذا ضرب بالقداح فاز، واذا سابق سبق، واذا اسر اطلق، وكان يقسم بالله الا يقتل واحد أمّه. وكان اذا أهل الشهر الاصم (رجب) الذي كانت مضر تعظمه في الجاهلية ينحر في كل يوم عشرا من الابل، فاطعم الناس واجتمعوا اليه، فكان ممن يأتيه من الشعراء الحطيئة، وبشر بن ابي خازم. فذكروا ان ام حاتم اوتيت وهي حبلى في المنام، فقيل لها: اغلام سمح يقال له: حاتم احب اليك ام عشرة غلمة كالناس، ليوث ساعة البأس، ليسوا بارغال ولا انكاس، فقالت: بل حاتم، فولدت حاتما. فلما ترعرع جعل يخرج طعامه، فان وجد من يأكله معه اكل، وان لم يجد طرحه. فلما رأى ابوه انه يهلك طعامه قال: له الحق بالابل، فخرج اليها، ووهب له جارية وفرسا وفلوها، فلما اتى الابل طفق يبغى الناس فلا يجدهم، ويأتي الطريق فلا يجد عليه احدا، فبينا هو كذلك اذ بصر بركب على الطريق، فأتاهم فقالوا: يا فتى هل من قرى؟ فقال: تسألوني عن القرى وقد ترون الابل؟ وكان الذين بصر بهم عبيد بن الابرص، وبشر بن ابي خازم، والنابغة الذبياني، وكانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الابل، فقال عبيد: انما اردنا بالقرى اللبن، وكانت تكفينا بكرة اذا كنت لابد متكلفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكني رأيت وجوها مختلفة، والوانا متفرقة، فظننت ان البلدان غير واحدة، فأردت ان يذكر كل واحد منكم ما رأى اذا اتى قومه فقالوا فيه اشعارا امتدحوه بها، وذكروا فضله، فقال حاتم: اردت ان احسن اليكم فكان لكم الفضل علي، وانا اعاهد الله ان اضرب عراقيب ابلي عن آخرها او تقدموا اليها فتقتسموها. ففعلوا، فأصاب الرجل تسعة وتسعين بعيرا، ومضوا على سفرهم الى النعمان. وان ابا حاتم سمع بما فعل، فأتاه، فقال له: اين الابل؟ فقال: يا ابت، طوقتك بها طوق الحمامة مجد الدهر، وكرما لا يزال الرجل يحمل بيت شعر اثنى به علينا عوضا من ابلك. فلما سمع ابوه ذلك قال: أبإبلي فعلت ذلك قال: نعم، قال: والله لا اساكنك ابدا، فخرج ابوه بأهله، وترك حاتما، ومعه جاريته وفرسه وفلوها.