هل سألت نفسك وأنت تقرأ هذا المقال كيف وصلت إليك هذه الصحيفة، أو فكرت كيف امتدت يدك فأخذتها هي دون غيرها من الصحف؟ وهل بدأت قراءتها من الصفحة الأخيرة كعادة أغلب القراء أم أنك وصلت إليها بعد أن مررت بجميع الصفحات التي قبلها؟ وهل بدأت قراءة هذه الصفحة من هذه المقالة بالذات أم أنك قد تجولت بين كل الصور والاخبار والمقالات الأخرى قبل أن تصل إليها؟ وكم قرأت من الصحف والمجلات والمطبوعات الأخرى قبلها وكم ستقرأ بعدها؟ وهل تنوي الاستمرار في قراءة هذا المقال الذي يوشك أن يتحول إلى نوع من التحقيق البوليسي معك أم انك على عتبة التوقف عن ذلك مللاً أو سخطاً على كاتبه أو عناداً له وعقاباً على ملاحقتك بكل هذا السيل من الاسئلة التي تتساءل عمن أعطاه الحق في طرحها؟ أسئلة مشروعة ومنطقية ربما دارت في ذهنك، أو هي دعوة إلى إدارتها فيه طالما كنت من فئة القراء الذين لا يستطيع كاتب كائناً من كان أن يفرض عليهم قراءة ما يكتبه. ورغم وجاهة هذه الأسئلة إلاّ أنني أعتقد أن قليلاً منا من حاول طرحها على نفسه أو فكر في البحث عن إجابات لها، ربما لانشغالنا بفعل القراءة نفسه، وربما لاعتقادنا أن الاجابة عنها ليست بذات أهمية قصوى، أو أنها لن تغير من الأمر شيئاً مادمنا مستمرين في فعل القراءة مستمتعين به، لم تستطع متعة أخرى بعد أن تأخذنا منه، أو لأن القراءة غدت متعتنا الوحيدة بعد أن تخلينا عن بقية المتع أو تخلت هي عنا وانحسرت مغادرة إلى غير رجعة ونحن ننظر اليها قليلي الحيلة مترعين بالحسرة. إذا كنت قد فعلت ذلك من تلقاء نفسك فأنت إنسان رائع لا يشترك معك كثير من الناس ـ والقراء على وجه التحديد ـ في هذه الصفة، وإن كنت لم تفعل ذلك حتى اللحظة فأنت مدعو إلى فعله الآن لأنك ستجد فيه متعة لا تقل عن متعة القراءة نفسها، وان كنت رافضا لهذه الفكرة فأنت مدعو لقراءة كتاب «تاريخ القراءة» لآلبرتو مانغويل الذي وفّر علينا عناء البحث عن إجابات لكل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة ربما لم أشأ أن أثقل عليك بها أو لأنها لم تخطر على بالي على كثرة ما طرحت عليك من أسئلة. في هذا الكتاب سيقول لك آلبرتو مانغويل إن «القراءة ضرورية للحياة كالتنفس» وسيقوم هذا الرجل الذي يتحدث ويكتب بلغات عديدة باقتفاء آثار «النصوص المكتوبة والمقروءة والمطبوعة» عبر عصور تاريخية مختلفة باحثاً عنها في الكثير من مكتبات العالم بعد أن يكون قد أتم البحث عنها داخل نفسه. ومثل كورس شكسبيري يقدم لك مانغويل «مفتاح فهم العالم». سيتذكر الكلمة الأولى التي قرأها، ويتحدث عن شغفه الكبير بالقراءة منذ نعومة أظفاره، ويروي قصة علاقته بالكاتب الارجنتيني الكبير الكفيف خورخه لويس بورخس الذي كان يقرأ عليه في بوينس آيرس مدة عامين كاملين يوماً بعد يوم. ثم ينتقل بك إلى بدايات الكتابة وإلى فن طباعة الكتب والأدب وشكل الكتاب، وإلى فعل القراءة وسلطانها. سوف يقدم لك مانغويل نخبة من عظماء العالم الذين كانوا يكتبون ويحبون القراءة مثل: أرسطو، ولو فكرافت، وابن الهيثم، واولفه ساك، وماريا المجدلي، والقديس أوغسطين، وريكله. وسيحدثك عن قصة الأمير الفارسي الذي كان يصطحب مكتبته المؤلفة من 117000 كتاب على ظهر قافلة من الجمال مصنفة حسب الحروف الأبجدية، ولن ينسى أيضاً أن يحدثك عن حكاية أكبر سارق للكتب في العالم «الدوق ليبري» وعن عمال التبغ في كوبا الذين كانوا يحبون الاستماع إلى قراءة الكتب مما جعلهم يطلقون أسماء أبطال الروايات الأدبية على أنواع سيجارهم. وهو في كل ذلك يتحدث عن القراءة بهيام عظيم كالذي نشعر به نحن معشر القراء في جميع أرجاء العالم. إذا كان كل هذا لم يغرك بعد بقراءة الكتاب فاستمع إلى ما قالته بعض صحف العالم عنه: تقول الـ «نيويورك تايمز»: «لقد تبنى آلبرتو ما نغويل تعطشنا للكتب وحوّل هذا الموضوع بنجاح باهر إلى كتاب رائع». وتقول «أوتمبو» (بلوهوريزونتا): «آلبرتو مانغويل يلقي نظرة رقيقة خلف الأسوار التي تحتضن الأدب ليصبح الناطق المخلص باسم جميع القراء المشهورين والمجهولين». وتقول «لاربوبليكا» (روما): «وأخيراً وصلتنا حكاية الحب العظيم بين الانسان والكتب». وتقول «برمنغهام بوست»: «لن يغيب هذا الكتاب الرائع بعد اليوم عن الطاولة الموجودة جنب سريري». هل تراني أكون قد ارتكب حماقة ذلك الذي يحكي لك قصة فيلم شاهده ويسهب في التفاصيل حتى يصل بك إلى كلمة «النهاية» ثم يدعوك بعد ذلك لمشاهدة الفيلم بعد أن يكون قد ضيع عليك عنصر المفاجأة وأفسد عليك متعة الدهشة، وهما العنصران اللذان يدفعانك عادة للمشاهدة؟ أم تراني قد فعلت كما فعل صديقنا المذيع التلفزيوني قبل أكثر من عشرين عاماً وهو يقدم للمشاهدين تسجيلاً لمباراة في كرة القدم ـ يوم لم تكن أغلب المباريات تنقل على الهواء مباشرة ـ منوهاً عن نتيجة المباراة ذاكراً عدد أهدافها وأسماء الذين أحرزوها والدقائق التي أحرزت فيها، ليتلقى سيلا من غضب المشاهدين واحتجاجاتهم و... شتائمهم أيضاً. أرجو ألا أكون قد فعلت ذلك فأنا لم أتجاوز حتى الآن الورقة الاولى التي تلي الغلاف الخارجي الأول للكتاب، وما هو مكتوب على الغلاف الخارجي الأخير منه. الفقرة الوحيدة التي استأذنك في نقلها من داخل الكتاب هي: (في رواية همنغواي الرائعة ثلوج على جبل كليمنجارو) يتذكر بطل الرواية المحتضر جميع الحكايات التي لم يستطع كتابتها. كان يعرف على الأقل عشرين قصة جيدة من المنطقة لم يكتب واحدة منها. لماذا؟ إنه يذكر البعض القليل، لكن القائمة كانت بالطبع دون نهاية. إن سلسلة الكتب التي لم نكتبها مثل سلسلة الكتب التي لم نقرأها، تمتد إلى أقصى زاوية من زوايا المكتبة التي لا نهاية لها. إننا نقف دوماً في البداية، بداية المجلدات الأولى من حرف الألف». المتعة الحقيقية التي أنت مدعو إلى الارتشاف من بئرها تكمن بين دفتي الكتاب «إذ أن الرغبة في القراءة مثل جميع الأشواق الأخرى التي تحير أرواحنا التعيسة». كما تقول الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف، فلا تحرم نفسك منها، واغتنم الفرصة لطرح السؤال الذي طرحه قبلك الفيلسوف الفرنسي الشهير دينيس ديدرو: «لكن من سيكون السيد؟ الكاتب أم القاريء؟»