بعيداً عن البحث في النوايا الأوروبية، التي غالباً ما تبني افتراضات مسبقة ترتكز إلى أساس من الشك في كل خطوة سياسية باتجاه المنطقة العربية والصراعات الساخنة فيها، لا بد من الاعتراف أن أوروبا الشريكة المتوسطية باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى مسكونة بجملة من الهواجس والمخاوف على مستقبلها في هذه المنطقة، التي تربطها بها مجموعة من العلاقات البينية والمصالح المشتركة المتعددة الأهداف . وقد زادت هذه المخاوف على المصالح الأوروبية، على ما يبدو أكثر من أي وقت مضى، التمترس الاميركي الأحادي الجانب في ممارسة تفردها السياسي بمعزل عن مصالح الآخرين، أعني بمعزل عن التماس المصالح الحيوية للاتحاد الأوروبي، واستبدالها بشكل فج في إسرائيل، وقد توضح هذا الأمر بشكل واضح ومكشوف في غمار المحاولات الاميركية المحمومة لحشد ما يسمى أميركياً التحالف الدولي لضرب العراق . دون أن نغفل، قبل ذلك، المحاولات الإسرائيلية المظللة اميركيا في عزل السياسة الأوروبية عن جملة القضايا الساخنة، وبالتحديد القضية الفلسطينية باعتبارها مدخلاً مناسباً وحيوياً لتلبية المتطلبات الأوروبية في المنطقة . لكن بعيداً عن حسن النوايا، التي غالباً ما نستند إليها في التعليق على مثل هذه الخطوات والمبادرات السياسية، ثمة سؤال مثير للجدل والحيرة مؤداه، هل حقاً جاءت الخطة الدنماركية لتكون عودة لأوروبا عبر البوابة الفلسطينية؟ أم أن القضية برمتها تتلخص في محاولة لتجميد احتراب على الجبهة الفلسطينية لصالح بدء الاحتراب على الجبهة العراقية تلبية وإذعانا للشروط القسرية الاميركية المفروضة على أوروبا من خلف الكواليس؟ الواقع للإجابة عن هذه الأسئلة المحيرة والمركبة، بل والمتداخلة، يملي علينا الأمر التدقيق في المشهد السياسي الأوروبي العام، والمخاطر التي بدأت فعلاً تتهدد المصالح الأوروبية في الكثير من بقاع العالم بسبب التفرد الاميركي، فقد بدأت أوروبا تدرك جيداً، أن هذا التفرد سيجعل من أوروبا ملحقاً قزماً على الولايات الاميركية، الأمر الذي سيخفض سوية علاقاتها التحالفية من دور الشريك إلى دور التابع الذي يعيش على بقايا الفتات والمحاصصات العشرية . أكثر من ذلك أن أوروبا بصرف النظر عن الموقف البريطاني الذي ما زال يغرد خارج السرب الأوروبي، أدركت من خلال الخسارات المتلاحقة التي ألحقتها بها السياسة الاميركية في الكثير من بقاع العالم وقاراته، لا يمكن أن تعيد توازنها على المستوى القاري، أعني الأوروبي، إلا بالعودة للملمة الهوية الأوروبية التي تراجعت بعد أن كانت هوية تكتسب حقوقية المواطنة للآخر، وفي مقدمة ذاك الآخر الاميركي بالتحديد. من هذا الفهم، يمكننا القول أن المبادرة الأوروبية على جبهة الصراع الإسرائيلية - الفلسطينية لم تكن على الإطلاق تكتيكاً موازياً لفتح أبواب جهنم على العراق، رغم أنها - المبادرة - لم تخرج بشكلها العام عن رؤية بوش المعلنة لحل القضية - بل جاءت لتؤكد في ظل غياب المبادرات الدولية لملء الفراغ الحاصل، ورسالة دولية لتؤكد على القدرة الأوروبية رغم كل ما يشاع عن الغياب الأوروبي عن مسرح الحدث بعد أن تراجعت عن صنع الحدث، خاصة بعد نهاية الحرب اليوغسلافية الداخلية، باعتبارها حربا داخلية من الطراز الأول ذات امتدادات شرقية . إضافة لذلك لا بد لنا من التدقيق قليلاً، بأن المبادرة الأوروبية التي أقرها وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، الذي كان قد طرحها وزير الخارجية الدنماركي «بير ستيغ موللر» الذي تترأس بلاده الاتحاد، والتي تضمنت المرحلة الأولى من الخطة إجراء الانتخابات الفلسطينية المقرر إجراؤها في السلطة في يناير المقبل والمتزامنة مع استحداث منصب رئيس الوزراء، بالإضافة إلى الإصلاحات القضائية الديمقراطية التي تتيح دولة فلسطينية مؤقتة في العام 2003، يليها إقامة دولة فلسطينية مستقلة تماماً خلف حدود ثابتة مع إسرائيل في العام 2005، والتي سيتم طرحها على اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الأوسط في الاجتماع المقرر عقده في 16 سبتمبر الجاري، لم تغفل قضية العراق من خلال مطالبته بضرورة عودة مفتشي الأمم المتحدة، وهذا الأمر بحد ذاته، هو محاولة لقطع الطريق، بمعزل عن إمكانيات هذه المحاولة، على الولايات المتحدة بتفردها إزاء قضية العراق وما يخطط لهذه الأمر اميركيا، من خلال جعل الأمم المتحدة ومقرراتها هي الحل النزيه لهذه المشكلة المعقدة بل والمركبة، التي تنذر بالكثير من العواقب الخطيرة ليس على مستقبل المنطقة وأمنها الوطني والقومي، بل وعلى مستقبل المصالح الأوروبية التي على ما يبدو أصبحت في مهب الريح إذا ما حققت أميركا ما تريد على جبهتي الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من جهة والصراع العراقي - الاميركي من جهة أخرى . هذا التخوف بالذات وحده الذي دفع موللر للقول: «ان أي جهة لم تطلب شن حرب ضد العراق، وليس هنالك من مبرر لاتخاذ قرار حول حرب افتراضية. لافتاً .. إلى أنه، ينبغي اعتماد طريق الأمم المتحدة بقيادة مجلس الأمن الدولي»، مميزاً موقفه عن الموقف الاميركي . هذا الموقف بحد ذاته جاء من قبيل عدم الاطمئنان إلى أية تعهدات صدرت عن وزارة الخارجية الاميركية، وذلك لأن الغالب أن السياسات النهائية غالباً ما تكون مختلفة كل الاختلاف عن السياسات المعبر عنها في البداية . بالإضافة لكل ما تقدم، لا بد من توضيح أن المبادرة الأوروبية جاءت بكل وضوح لترد على قضية الهيمنة المتبعة في صياغة السياسة الاميركية الخارجية، والتي كانت ولاتزال أوضح ما يكون بالنسبة للوضع في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد أن قرر الرئيس بوش الابن إفساح المجال للإسرائيليين والفلسطينيين ليحسموا قضاياهم وحدهم، مع معرفة النتيجة المسبقة لعملية الحسم اميركيا مع كل الأسف، وبعد أن تحولت مطالبة الإسرائيليين بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، في أبريل الماضي، إلى قرار اتخذه بوش في يونيو الماضي يقضي بوقف الاتصالات بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، علماً أنه الرئيس المنتخب فلسطينياً، بصرف النظر عن شكل وطبيعة الانتخابات، والتي كانت هذه الخطوة حينها مثاراً للجدل على مستوى العالمين العربي والأوروبي على حد سواء، باعتبارها أدت إلى تجميد الحراك الدبلوماسي الدولي على كافة الصعد إزاء القضية الفلسطينية والمشهد الدامي للعملية الصراعية الدائرة رحاها على أرض الواقع . دون أن ما يقوله المسئولون الأوروبيون بأنهم يشعرون بتزايد الفجوة بينهم وبين المسئولين الاميركيين إضافة إلى شعورهم بالإقصاء عن السياسات الاميركية، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة الشرق الأوسط لجهة الصراع على الجبهة الفلسطينية والعراقية بذات الوقت . إذن ومن خلال ما تقدم، لا يمكننا أن ننظر للسياسات الأوروبية من منظور نصف الكأس الفارغة على الدوام، بل يتوجب علينا تلمس الأوجاع الأوروبية التي نشترك بها عربياً، وأن مساعدة المساعي الأوروبية عربيا، التي قد لا تقدر على فرملة السياسة الاميركية الجهنمية، لكنها بالضرورة ستخفف من آثارها المدمرة . لكن السؤال الأهم، هل سيساعد العرب أوروبا انطلاقاً من مساعدة أنفسهم؟ أم أنهم سيبقون يقول بالعلن شيئاً ويضمرون خلف الكواليس شيئاً آخر، خوفاً ومجاراة للسياسة الاميركية؟ ـ كاتب فلسطيني