الهجوم بأكثر من مئة طائرة فوق «منطقة الحظر الجوي» كان الرد الأميركي (المدعوم بريطانيا) على بيان وزراء الخارجية العرب الذي اعلنوا فيه «رفضهم» للخطة الأميركية، لغزو العراق الشقيق، والمغزى واضح: واشنطن لا تقيم اي وزن للبيانات العلنية العربية لأنها تعلم تقليديا ان ما يقال على صعيد علني لا يتطابق بالضرورة مع ما يقال همسا داخل غرف مغلقة. هذا على الاقل هو الانطباع الثابت والراسخ في الذهنية الجمعية العربية على المستوى الشعبي. وهو انطباع افرزته تراكمات من مسلك الانظمة العربية لمدى عقود عديدة. ولذا فان على الحكومات العربية الآن ان تبذل جهودا مرئية لتسترد مصداقيتها فيما يتعلق بموقفها تجاه التهديد الأميركي المتعاظم للعراق. وأول هذه الجهود ينبغي ان يكون، أولا اصدار ادانة لبدعة «الحظر الجوي» وادانة اضافية للغارات الجوية الأميركية و«البريطانية» التي تنفذ باسمها على أهداف عراقية.. وثانيا التقدم بطلب رسمي الى مجلس الأمن الدولي لوضع حد نهائي لهذه البدعة. انها بدعة اعتدائية لانها ببساطة عمل غير مسنود بأي من مجموعة القرارات الصادرة عن مجلس الامن بشأن المسألة العراقية فالولايات المتحدة هي التي اقامت «منطقة الحظر الجوي» فوق العراق من وراء ظهر الامم المتحدة. واذا كان بيان وزراء الخارجية العرب يلزم العراق باحترام الشرعية الدولية وقراراتها فلماذا خلا البيان تماما من الزام الولايات المتحدة بهذا الاحترام؟ ان البيان يطالب العراق بالسماح بعودة مفتشي الاسلحة انصياعا للشرعية الدولية فلماذا لم يعترض الوزراء العرب على نظام «منطقة الحظر الجوي» باعتبار ان فيه خروجا صريحا على الشرعية؟ مثل هذه الازدواجية السلبية هي التي تضع البيانات الرسمية العربية موضع ريبة وتجردها من اي مصداقية. فاذا كانت الحكومات العربية عاجزة عن اتخاذ موقف صريح وشجاع ومشروع ضد «الحظر الجوي» فكيف نصدق ادعاءها بأنها «ترفض» الغزو الأميركي المحتمل ضد العراق؟ وثمة أمر آخر يلفت الانتباه في بيان الوزراء يضيف ريبة الى ريبة. فبينما طالبوا بعودة مفتشي الاسلحة في فقرة فانهم طالبوا ايضا في فقرة اخرى برفع العقوبات عن العراق. لكنهم حرصوا ألا يربطوا بين الامرين.. فلم يقولوا ان عودة المفتشين ينبغي ان تكون تمهيدا لرفع العقوبات . من الواضح اذن ان الحكومات العربية اذ تريد استرضاء شعوبها باعلان تضامن ظاهري مع العراق الشقيق فانها تحرص في الوقت نفسه على ألا تذهب الى حد اغضاب ادارة بوش. ولنا ان نتصور انطباع الرئيس بوش ومستشاريه عندما طالعوا بيان الوزراء العرب. لاشك ان الرئيس الأميركي ابتسم.. فالحكومات العربية لم تخيب توقعاته. وفي كل الاحوال فان اكثر ما يطمئن واشنطن الى رد الفعل العربي الرسمي في حالة انطلاق «صواريخ كروز» صوب بغداد هو ان الحكومات العربية حرصت ـ حتى على مستوى البيان اللفظي ـ على تحاشي استخدام كلمة «وإلا..» أجل لقد قالت الحكومات العربية انها ترفض الغزو الأميركي للعراق.. لكنها لم تقل لواشنطن: «لا تنفذوا الغزو.. وإلا سنفعل كذا وكذا». وهنا يعيد التاريخ نفسه بصورة عكسية. ففي عام 1990 استجاب العرب للدعوة الأميركية لضرب العراق.. فانعقد على عجل مؤتمر قمة استثنائي أصدر قرارا بالموافقة على الانضمام الى «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة بشن حرب على العراق لاجلائه من الكويت. في ذلك الحين كان غزو العراق مشروعا بالطبع. ولانه كان مشروعا فان الحكومات العربية شاركت في تكوين «التحالف الدولي». الآن.. في عام 2002 تعتبر الحكومات العربية غزو العراق أمرا غير مشروع.. فلماذا لا تتداعى إلى تكوين «تحالف دولي» جديد لردع الولايات المتحدة؟! وليس بالضرورة ان يكون تحالفا عسكريا قتالياً. يكفي ان تنضم مجموعة دول الجامعة العربية الى اوروبا وروسيا والصين لتكوين جبهة دبلوماسية عالمية موحدة لمواجهة واشنطن في ساحة مجلس الامن الدولي. ان مواقف هذه القوى الدولية تتوافق مع موقف الدول العربية المعلن في رفض الغزو الأميركي. لكن تكوين جبهة دبلوماسية عالمية يجب، وبالضرورة ان يكون مبادرة عربية. فالعرب هم اصحاب القضية بالاصالة.