كالعادة.. اجتمع وزراء الخارجية العرب، ليختلفوا على كل شيء، ثم يتفقوا على كل شيء، ثم يخرجوا ببيانات يعرفون أنها لن تقدم أو تؤخر.. مادامت الارادة غائبة والقدرة على الفعل في أدنى حالاتها، والقرار الحقيقي لا يخرج من اجتماع عربي ـ عربي! والخلاف في الرأي هو ـ بطبيعة الحال ـ أمر مشروع وحيوي ومطلوب، بشرط ان تتحكم الموضوعية في الحوار، وأن يكون الهدف هو الوصول الى القرار الصحيح ثم الالتزام الجماعي به، وليس تضييع الوقت أو تسجيل المواقف أو التهرب من المسئولية! وعندما تكون التحديات بحجم ما تواجهه الأمة العربية، فمن الطبيعي ان تختلف الاجتهادات في التعامل معها، ولكن من الضروري ان تكون هذه الاجتهادات نابعة من رغبة حقيقية في الاجابة عن الاسئلة الحيوية المطروحة، وأن تنبع من ارادة تستهدف حشد الطاقات في مواجهة الخطر، ومن التزام حقيقي بالدفاع عن وجود الأمة المهدد بأفدح الأخطار. انها كارثة ان يجتمع مسئولون على أعلى مستوى عربي في هذه الظروف الدقيقة، فلا ينتظر الرأى العربي العام منهم شيئا الا ان يمر اجتماعهم بسلام! ولا ينتظرون هم من أنفسهم الا الانتهاء من المهمة الثقيلة والعودة في أمان الله! أما التصدي للمخاطر والتعامل مع الواقع العربي البائس فأمره مؤجل حتى تقع الواقعة أو حتى يقرر أصحاب الأمر ماذا يريدون.. وكيف.. ومتى؟! ان مجلس الجامعة العربية يجتمع والمنطقة كلها على وشك الانفجار. التواطؤ والصمت في فلسطين.. تستمر المذابح اليومية للمدنيين ـ بل للأطفال ـ الفلسطينيين، وتتوالى الصور المفزعة بين التهجير والابعاد بأحكام قضائية اسرائيلية، والاغتيال بدم بارد، وهدم المنازل وتجويع الشعب المناضل.. وبين التواطؤ الأميركي والصمت العربي وتخبط السلطة الفلسطينية أو ما تبقى منها التي انتهى بها الامر ان تطلب ـ على لسان وزير الداخلية ـ من مواطنيها ايقاف كل أشكال العنف بما فيها القاء الحجارة حتى لا تزعج جنود جيش الاحتلال الاسرائيلي وهم يتسلون بقتل الاطفال الفلسطينيين بينما يشربون الخمر، أو وهم يتفرجون على أحد ضباطهم وهو يغتصب صبيا فلسطينيا كما جاء في تحقيقات رسمية اسرائيلية! وفي العراق.. يأخذ القرار الأميركي بتدميره واحتلاله وتقسيمه طريقه للتنفيذ رغم اعتراض العالم كله. ويحتفل الرئيس الأميركي بالذكرى الأولى لكارثة 11 سبتمبر بالتأكيد على ان العراق هو الهدف التالي بعد افغانستان، محذرا كل الحلفاء المعترضين أو المترددين بأن (صدقيتهم ستكون على المحك) حين يبدأ العمل ويكون عليهم ان يقرروا الى أي جانب سيقفون! وتكتمل دائرة الحصار.. فسوريا ولبنان مهددتان بأن تكونا الهدف التالي بعد العراق، والسودان مهدد بالانقسام تحت الرعاية الأميركية، ومصر والسعودية تتعرضان لحملة واسعة النطاق تهدد فيها واشنطن النظامين وتنطلق تصريحات رسمية تتهمهما بالضلوع في الارهاب! أو رعايته ويتم تسريب تقارير تؤكد ان الحليفتين السابقتين لواشنطن لم تعودا كذلك، بعد ان اكتشفت الادارة الأميركية فجأة انهما معاديتان للديمقراطية ولحقوق الانسان بدليل انهما ترفضان الموافقة أو المشاركة في تدمير العراق وتطلبان ايقاف المذبحة الاسرائيلية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني متجاهلتان ان ذلك لا يستهدف الا تدعيم الديمقراطية وترسيخ حقوق الانسان وهي مهمة تستحق التحالف المقدس بين رئيس أميركي أعلن الحرب الصليبية المقدسة على العرب والمسلمين وبين سفاح مثل شارون يقاتل من اجل الديمقراطية منذ صابرا وشاتيلا وحتى مذابح غزة وجنين! وحين يجتمع وزراء الخارجية العرب في هذه الظروف، فليس المطلوب بيانات تعيد مضغ كلمات لم يعد لها معنى في شجب العدوان الاسرائيلي وتأكيد الحقوق الفلسطينية المشروعة، ولا في رفض العدوان الأميركي المرتقب على العراق دون ان نترجم ذلك الى أفعال ومواقف حقيقية. ان المطلوب قبل كل شيء ان تستعيد النظم العربية الرئيسية بعض القدرة على الفعل، وبعض الارادة التي غابت، وبعض الثقة التي لم تعد الشعوب قادرة على منحها للنظام العربي الكسيح. ولن يكون ذلك الا بمكاشفة صريحة تضع النقاط على الحروف، وتضع الحقائق كاملة امام الأمة، وتفتح الباب لمرحلة جديدة من المقاومة الواعية لمخطط اخضاع العرب واذلالهم. كنت أتصور ان يكون الاجتماع الاخير في رحاب الجامعة العربية هو كشف حساب لعام من التراجع العربي بعد 11 سبتمبر، وكيف يمكن ايقاف هذا التراجع الخطير. وكنت اتصور ان نعيد بشجاعة بحث مصير المبادرة السعودية التي اصبحت عربية، والتي داسها شارون بالدبابات بعد ساعات من اقرارها وهو يزحف لاحتلال أراضي السلطة ويرتكب ـ في حماية الادارة الأميركية ودعمها الكامل ـ مذابحه النازية ضد الشعب الفلسطيني. كنت أتصور ان نجد اجابات عن اسئلة مازالت ضرورية: لماذا كان الالحاح على المبادرة؟ وهل كانت هناك وعود أميركية بالتعامل الجاد معها واين ذهبت هذه الوعود؟ ولماذا ضغطت واشنطن حتى تم اقرار المبادرة بما فيها من تنازلات جوهرية ثم وضعت المبادرة في الثلاجة واطلقت دبابات شارون لسحق الشعب الفلسطيني؟ واذا كان ذلك ما حدث فلماذا لا نكشف النقاب تماما عن الخديعة الأميركية ثم نبحث في مصير المبادرة، وهل نتمسك بها أم نجمدها. واذا تمسكنا بها فكيف نفرض على العالم التعامل معها؟ وهل يكون ذلك بأن تذهب كل دولة عربية الى واشنطن لتفاوض أو تطلب المعونة أو تتوسل! أم بحشد الطاقات العربية وتفويض هيئة يرأسها الأمين العام للجامعة العربية مثلا لتتولى مهمة التفاوض مع ايقاف كل مفاوضات منفردة مع أي طرف عربي، وبذلك نضع الولايات المتحدة والعالم امام مسئوليته، ونوقف مسلسل التراجعات التي تضطر اليها السلطة الفلسطينية وهي تواجه الحصار والمذابح وحرب التجويع ثم تساق لمفاوضات لا تملك فيها الا تقديم التنازلات والرضوخ في النهاية للمخطط الأميركي الاسرائيلي لتحويلها الى سلطة لتوفير الأمن للاحتلال الاسرائيلي! الكل في لائحة الاتهام وكنت اتصور ان يكون اجتماع وزراء الخارجية العرب في هذا الظرف الدقيق هو المناسبة لاعلان المصالحة العراقية ـ الكويتية وتصفية الأزمة أو الحالة بين القطرين الشقيقين فلن يغفر أحد للنظام العربي فشله في حل الأزمة الأولى قبل عشر سنوات، ولن يغفر أحد للنظام العربي فشله في انهاء اثارها حتى الآن، ولن يغفر أحد للنظام العربي وقوفه متفرجا واثار الأزمة تقود الى تدمير العراق بعد استنزاف ثروات الخليج وتهديد أمنه. وكنت أتصور ـ وقد اصبحت الدول العربية الفاعلة كلها على اللائحة الأميركية بعد العراق ـ ان يكون اجتماع وزراء الخارجية العرب مناسبة لطرح اسئلة المصير بدلا من الاكتفاء باعلان معارضة العدوان على العراق وانتظاره في نفس الوقت! واسئلة المصير كثيرة: فما هو وضع القواعد الأميركية في البلاد العربية؟ وهل تملك الدول العربية أي سيطرة عليها؟ وهل اقيمت هذه القواعد تحت دعوى ضمان أمن الدول العربية أم لتكون مصدرا لتهديد الأمن العربي وتدمير الدول العربية؟ واذا كانت بعض أسباب التوتر في علاقة واشنطن بالسعودية مثلا تعود ـ كما قيل ـ الى طلب تخفيض القوات والقواعد الأميركية هناك تمهيدا لتصفيتها.. فماذا ستفعل الدول التي تتوسع فيها القواعد الأميركية لتكون البديل؟ وهل تكفي بعض التصريحات التلفزيونية لتبدد القلق المشروع حول دور هذه القواعد في الضربات القادمة ضد العراق ومن سيتبعه من أهداف عربية للعدوان الأميركي؟ ومع السؤال عن وضع القواعد الأميركية في الدول العربية.. يثور التساؤل الذي لابد منه عن اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي لا يريد أحد ان يتذكرها. واعرف ان مجرد طرح هذا الموضوع يبدو مثيرا للغرابة وسط هذا المناخ الكئيب الذي نعيش فيه، ولكن اذا لم يكن بؤس الواقع دافعا للأمل فانها النهاية واذا لم نكن قد تعلمنا شيئا من دروس الماضي فان المستقبل سيضيع منا، واذا لم ندرك حجم الهاوية التي نسير اليها فاننا لن نهتدي الى طريق الخلاص. واذا لم تجبرنا كل هذه الهزائم التي لحقت بنا، والمؤامرات التي تستهدفنا، والتردي الذي نعيش فيه على تحدي الواقع والعودة لما اهملناه عشرات السنين.. فمتى نستفيق من غيبوبتنا؟ نظام اقليمي كسيح الآن.. وأكثر من أي وقت مضى يبدو كم كان مكلفا اهمالنا لتفعيل ما يجمع الجهود العربية في مختلف المجالات.. في الاقتصاد توفرت لنا كل الامكانيات ولم نستطع ان نحقق التقدم المطلوب حتى الآن. وفي العلوم تخلفنا وفي السياسة تفرقنا. وفي الدفاع عن أمننا القومي تشتت الجهود، وبدلا من تفعيل الدفاع المشترك دخلنا في العديد من الحروب العربية ـ العربية، وانتهى بنا المطاف وأمننا مستباح، وعشرات بل مئات المليارات من الدولارات تنفق في صفقات أسلحة لا توفر الأمن بل تضمن فقط تشغيل المصانع الأجنبية، لينتهي بنا الأمر الى ما نحن فيه. القواعد الأميركية تتناثر على الأرض العربية، والطائرات الأميركية تقتل بها اسرائيل أطفالنا في فلسطين، والعراق مهدد بالتدمير، وسوريا ولبنان بعدها، والأطراف العربية تتآكل من الجزائر الى السودان، والأمن العربي مستباح كما لم يكن منذ عشرات السنين! أسئلة المصير كثيرة، ولكنها لم تطرح في الاجتماع ولم يكن ممكنا ان تطرح لأن أحدا لا يملك الاجابة ولا حتى يحاول البحث عنها.. فالاجابة صعبة ومسئولياتها كثيرة وشروطها عسيرة وأولها ان نسترد الوعي ونستعيد الارادة، ونخرج من نفق أننا أمة لا حول لها ولا قوة الى حيث نستطيع ان نقرر ونملك القدرة على ان نحول ما نقرره الى أفعال لا بيانات وتصريحات. وهكذا اجتمع الوزراء العرب في رحاب الجامعة العربية.. اشتكى الفلسطينيون من عدم وصول الدعم المقرر وانشغل رئيس الوفد بتصوير الاجتماع بجهاز التليفون النقال لكي يراه أبوعمار المحاصر فيزداد بؤسا على بؤس.. وأكد لنا الوزراء ما نعرفه من معارضتهم للعدوان القادم على العراق، ودعمهم الأكيد لوحدة السودان السائر نحو الانفصال. واختلف الوزراء حول المبادرة الدنماركية التي وافق عليها عرفات، وسيعود الجميع الى عواصم بلادهم ليتابعوا حرب الابادة الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني وينتظرون معنا حتى تدك الصواريخ الأميركية العراق.. فماذا يفعل نظام عربي يقر وزراؤه بأنهم لا حول لهم ولا قوة؟ وماذا تفعل أمة تواجه أصعب لحظات تاريخها بهذا النظام الكسير؟! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية