لا يخفى ان جزءا كبيرا من الضعف العربي مرتبط بعناصر عديدة نعيش معها في كل يوم منذ ان تفتحت اعيننا على هزيمة 1967. ومن اهم عناصر الضعف العربي، هي تلك المرتبطة بضرب الثقافة والمثقفين. في العالم العربي الهرم مقلوب كما هو الامر في كل شيء تقريبا. بينما في الغرب للمثقفين والمبدعين والسينمائيين والادباء المستقلين موقع متميز وذلك لوعي الغرب بأهمية دورهم الثقافي والسياسي والاجتماعي بينما نجد في العالم العربي تحجيما للثقافة والمثقفين، مما دفع الجيد منهم للهجرة او للسكوت طلبا لراحة البال وللأمن الذاتي. وقد نتج وبالتالي عن ذلك خسارة الحضارة الاسلامية والعربية لمساهمات هؤلاء المثقفين الجادة والحرة. لهذا فعندما تقع معركة سياسية او مواجهة ثقافية بين عالمنا والعوالم الاخرى لا نجد مكانا لمثقفينا ودورا لثقافتهم، وعندما نجدهم بعد بحث يكونون قد فقدوا الحماس والدور والاستعداد والعطاء. في هذا السؤال: لماذا لا تنجح الدول العربية والمجتمعات العربية الا باستثناءات محدودة وضيقة في الدفاع عن نفسها في المحافل الدولية عندما تتعرض لأزمة وهزة سياسية حقيقية؟ بل لماذا يكون الدفاع مقصورا على قلة صغيرة ونادرة تكاد لا نجدها؟ لنأخذ العديد من الدول العربية المعنية اليوم بهجمات كبيرة عليها. ففي عدد منها يمنع على المفكر والباحث والاستاذ الجامعي تقديم بحث في مؤتمر علمي او سياسي اكاديمي في مجاله التخصصي خارج بلاده (حتى لو كانت الدعوة مدفوعة بالكامل) الا بعد ان يأخذ اذنا من قسمه العلمي ومن وزارة تعليمه العالي ومن القصر الجمهوري او الديوان الملكي وهكذا. والى ان يأخذ الموافقة يكون المؤتمر المعني قد انقضى وانتهى ويكون مثقفنا قد فقد حماسه. ان مخاوف الكثير من المسئولين في العالم العربي من الثقافة والمثقفين تنم عن عدم فهم لدور الثقافة، وعدم استيعابهم لدورها في الدفاع عن حاضرنا وموقعنا العالمي، كما ودورها في تقدم مجتمعاتنا المحلية، وبنفس الوقت ان عدم الفهم هذا مقرون بسوء فهم لمعنى استقلالية المثقف، فالمثقف المستقل يقدم خدمات اكبر لوطنه وذلك بحكم المصداقية التي يمتلكها حينما يتحدث عن المسائل ويحلل الامور. ان فهم مسألة المصداقية في كسب الصداقات وفي دحض الادعاءات هو الاساس في تشجيع الثقافة والمثقفين. لهذا عندما تقع المواجهة وتركض اجهزتنا للتساؤل: اين مثقفونا واين دورهم في عواصم العالم؟؟ يكون الجواب: بعد تكسير ارجل الثقافة العربية، والحد من دور المثقفين العرب، ومنع مقدمي هذا البحث او ذاك من التحدث هنا او هناك، والحد من استقلالية الباحثين، وعدم تقدير الدور غير المباشر للثقافة والمثقفين العرب، كل هذا يمنع الثقافة العربية من المساهمة في الدفاع عن الحقوق العربية الجماعية ام القطرية والفردية لكل دولة عربية. المثقف العربي اصبح خائفاً اذا دعي لجلسة عليه ان يسأل ألف سؤال وسؤال عن المشاركين وعن مدى اثارة ما يقول لهذا الفريق في بلاده او ذاك. المثقف العربي يخشى من ان تنزل عليه تهم (الخيانة واللاوطنية) التي يوزعها قطاع اعتاد على توزيعها في مراحل العجز والضعف. في هذا ينتهي المثقف العربي الى التحدث الى الجمهور المحلي، والخوف من العالمية والوصول الى المنابر الدولية حيث السمعة الدولية للعرب والمسلمين مشوهة الى ابعد الحدود. في هذا تغيب الصورة الحقيقية ومفادها ان مشاركة الباحث هي خدمة كبيرة لبلاده ينتج عنها سحب الارض من تحت اقدام من ينشرون عن حضارتنا ومجتمعاتنا ما هو غير صحيح ومناف للحقيقة. منع مثقفو دول عربية كثيرة من اداء دورهم الحقيقي والصادق والحر قد حرم العرب من سلاح هام ورغم انه من الصعوبة بمكان اعادة النظر بكل هذا وسط حمى الهجمات الاعلامية على العرب والمسلمين، الا انه بنفس الوقت يجب اعادة النظر لأهمية الموضوع. بل هناك ضرورة في ان يقوم المسئول الحكومي بدوره، وبنفس الوقت على المثقف ان يقوم بدوره كاملاً، ولا يجوز ان يمارس المسئول الحكومي صلاحية الحد من دور الثقافة والمثقفين لانه في هذا سوف يفقد احد اهم ادوات الوجود الحضاري وبالتالي سوف يجد نفسه وحيداً وبلا ادوات في مواجهة معركة يستخدم فيها الخصم كل الادوات بكفاءة عالية وبقدرات منتشرة. بدون هذا سوف نهاجم في كل مكان وسوف نخسر في كل مواجهة وعندما نرد لا نرد الا في صحافتنا المحلية «المقروءة محلياً» بأسلوب الردح والردح المضاد. مع كل ما نمر به وسنمر به آن الاوان لفك القيود عن الثقافة والمثقفين الذين خسرهم العالم العربي في عقود القحط الفكري التي ما زلنا نعاني من سكراتها. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت