ورد في كتاب «التاج» ان بعض ملوك العجم استشار وزيريه. فقال احدهما: «لا ينبغي للملك ان يستشير منا احداً الا خالياً به، فإنه اموت للسر، واحزم للرأي، واجدر بالسلامة، واعفى لبعضنا من غائلة (شر) بعض. فإن افشاء السر الى رجل واحد اوثق من افشائه الى اثنين، وافشاءه الى ثلاثة كافشائه الى جماعة، لأن الواحد رهن بما افشى، والثاني مطلق عنه ذلك الرهن، والثالث علاوة فيه. فإذا كان السر عند واحد كان احرى الا يظهره رغبة ورهبة. (وان كان عند اثنين كان الملك على شبهة). واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وان اتهمهما اتهم بريئاً بخيانة مجرم. وان عفا عنهما كان العفو عن احدهما ولا ذنب له، وعن الآخر ولا حجة معه». ومن احسم ما قالت الشعراء في السر قول عمر بن ابي ربيعة: فقالت وارخت جانب الستر: انما معي فتحدث غير ذي رقبة اهلي فقلت لها: ما بي لهم من ترقب ولكن سري ليس يحمله مثلي وقال الوليد بن عتبة لأبيه: ان امير المؤمنين اسر الي حديثاً، افلا احدثك به؟ قال ابوه: يا بني، انه من كتم سره كان الخيار له، ومن افشاه كان الخيار عليه، فلا تكن مملوكاً بعد ان كنت مالكاً. وقال شاعر آخر: فلا تودعن الدهر سرك احمقاً فإنك ان اودعته منه احمق اذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر اضيق ـــــ شريح القاضي قال الشعبي: كنت جالساً عند شريح القاضي اذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها وهو غائب، وتبكي بكاء شديداً. فقلت: اصلحك الله، ما اراها الا مظلومة. قال: وما علمك بها؟ قلت: لبكائها. قال: لا تفعل، فإن اخوة يوسف جاؤوا اباهم عشاء يبكون وهم له ظالمون. ودخل الاشعث بن قيس على شريح القاضي في مجلس الحكومة فقال: مرحباً واهلا بشيخنا وسيدنا. واجلسه معه. فبينما هو جالس عنده اذ دخل رجل يتظلم من الاشعث، فقال له شريح: قم فاجلس مجلس الخصم وكلم صاحبك. قال: بل اكلمه من مجلسي. فقال له: لتقومن او لآمرن من يقيمك؟ فقال له الاشعث: لشد ما ارتفعت! قال: فهل رأيت ذلك ضرك؟ قال: لا. قال: فأراك تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها على نفسك!