حان الوقت للتمرد على المفهوم الأميركي لـ «الارهاب».. نعم.. لقد حان الوقت. طوال عام مضى ـ منذ الحادي عشر من سبتمبر ـ رفعت الولايات المتحدة تهمة «الارهاب» في وجوه العرب والمسلمين، وعلى الرغم من قبح هذا الاتهام، وفداحة ما ترتب عليه، إلا ان العرب والمسلمين انصاعوا عملياً له، خصوصاً صناع القرار في كثير من عواصمنا. والملاحظ انه وسط هذا الانصياع الرسمي العربي والإسلامي، تنامي رفض شعبي لكافة السياسات الأميركية تجاه ما تزعم انه الحرب ضد «الارهاب». هذا الرفض ظل في جوهره محكوما بالتبني الرسمي لمفهوم «الارهاب» وفق المصطلح والتعريف الأميركيين، ذلك لأن هذا الرفض الشعبي لم يترجم ـ عملياً ـ بفعل الضغوط الرسمية ـ إلى جهود تقود العرب والمسلمين إلى التحرر من القيود الأميركية أو بالاحرى من السبي الاميركي للقدرات والقرارات العربية. وعندما أطلقت الولايات المتحدة مصطلح «الارهاب» كانت تعني ـ في الجوهر ـ العرب والمسلمين، صحيح ان البدايات ـ في الايام الأولى لحوادث سبتمبر ـ كانت واشنطن تشير إلى أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة باعتبارهما «المشتبه به» الرئيسي في حوادث تدمير برجي مركز التجارة ومبنى البنتاغون، إلا ان الولايات المتحدة باعلامها ودوائرها السياسية والأمنية سرعان ما كشفت ان المقصود ـ حقيقة ـ بهذا الاتهام هم العرب والمسلمون جميعاً دون تمييز، وكان في المقدمة أولئك المقيمون فوق أراضيها سواء من كان متوجداً للدراسة أو من تجنس فعلاً وأصبح أميركيا مئة بالمئة، ثم امتد الاتهام إلى العرب والمسلمين، دولاً وشعوباً، فمن كانوا بالامس اصدقاء استراتيجيين صاروا وفق الرؤية الأميركية لـ «الارهاب» من الاعداء الخطيرين، بل ومفرخة لـ «الارهابيين» وصار مطلوباً منهم ـ أميركيا ـ اعادة النظر في مناهجهم الدراسية، وخصوصاً مناهج التعليم الديني، وصار مطلوباً منهم أيضاً العمل على تجفيف المنابع الاسلامية، والنظر إلى حاضرهم ومستقبلهم بعيون أميركية. وفي اطار المفهوم الاميركي لـ «الارهاب» مدت واشنطن يدها لتخترق المقدسات ـ وتحديدا ـ سنام العقيدة الإسلامية، وهو الجهاد في سبيل الله دفاعاً عن فلسطين والاقصى الشريف، إذ تدخلت الولايات المتحدة ممثلة في أعلى هرم السلطة الاميركية ودعت على لسان الرئيس دبليو بوش صراحة أطرافا عربية محددة إلى فرض مصطلح «الارهاب» على المقاومة الفلسطينية وتسمية «الاستشهاديين» اعلامياً ورسمياً بـ «الارهابيين» مما دعا الاعلام في بعض الدول العربية وبعض القنوات الفضائية العربية الشهيرة إلى اطلاق مصطلح «العمل الفدائي» على المقاومة الفلسطينية، ومن ثم تسمية «الاستشهاديين» بـ «الفدائيين» كمخرج ثالث بين المطلب الأميركي والخوف من سخط الرأي العام العربي. وهذا يعني ان العرب والمسلمين انهزموا ـ رسميا ـ مرتين أمام المفهوم الأميركي لمصطلح «الارهاب» (طبعاً غير العدوان والمجازر التي تمت بحق الشعبين الافغاني والفلسطيني). المرة الأولى عندما روجنا لهذا المصطلح في اعلامنا على أوسع نطاق. والمرة الثانية عندما توقفنا عن استخدام مصطلح «الاستشهاديين» نزولاً على رغبة أميركية، أو بالادق نزولاً على ضغوط أميركية. وبعد هذا الحصاد المهين يكون من الضروري الدعوة إلى وقفة عربية وإسلامية صارمة ضد مصطلح «الارهاب» ليس فقط بمفهومه الاميركي، وإنما باسقاط هذا المصطلح تماماً من أدبياتنا الاعلامية، وهنا يأتي دور جمعيات ونقابات الصحفيين والمحامين وأساتذة العلوم السياسية في العالم العربي والاسلامي. فمن واجب الجميع البحث عن بديل لهذا المصطلح، على ان يحمل هذا البديل ما نريده نحن منه وفق عقيدتنا وظروف مجتمعاتنا، وهو ما يستدعي ان يكون للمصطلح البديل جذور في تراثنا العربي الاسلامي، تعبر عن رؤيتنا نحن لهذا المصطلح وليس عن رؤية الاميركيين أو الصهاينة، فهذا ما هو حادث الآن مع مفاهيم ومعاني مصطلح «الارهاب» الشائع حالياً. وإذا كنا قد قبلنا فيما مضى التنازل عن مصطلح «الاستشهاديين» إعلامياً ورسمياً وعلى ألسنة بعض الساسة العرب، فماذا يمنع الآن من التمرد على مصطلح «الارهاب» وهجره إلى بدائل أخرى. وفي هذا السياق، ليس هناك ما يمنع أيضاً من استخدام أي مصطلحات عربية بديلة وبعيدة عن المضامين والاهداف الاميركية الصهيونية عند تناول العنف الذي تمارسه بعض الجماعات السياسية ضد حكوماتها في أقطارنا العربية والإسلامية، لأن تعميم مصطلح «الارهاب» في اعلامنا العربي عبر ثماني سنوات ماضية قادنا جميعا ـ من حيث لا ندري ـ إلى الوقوع في شراك المفهوم الأميركي، وسهل للاعلام والسياسة الأميركية دمغ كل عربي ومسلم بتهمة الارهاب، خاصة واننا نقر بوجود «الارهاب» في مجتمعاتنا عبر ما هو منشور في اعلامنا، في حين ان دولة مثل اسرائيل هي في الاصل منبع الارهاب ومصدره اقليمياً وعالمياً، لم تتحدث يوماً ـ اعلامياً ـ ان بها ارهابيين. مع العلم ان تسلل مصطلح «الارهاب» منذ بداياته ـ قبل نحو ثماني سنوات إلى اعلامنا العربي برمته حدث عبر نصائح أميركية تغذيها أصابع صهيونية، وقد استعذبت بعض مؤسساتنا العربية هذا المسمى أو هذا «المصطلح» آنذاك لأنها رأت فيه سلاحاً ترد به على من يرمونها بتهمة التكفير، كما رأت فيه وسيلة تعبئة شعبية حول بعض الحكومات، وذلك في اطار المواجهات المسلحة التي تورطت فيها بعض جماعات الاسلام السياسي، فأصبح «الارهاب» منذ تلك اللحظات قرينا بالعمل الاسلامي. واليوم بعد كل ما جره علينا مصطلح «الارهاب» الاميركي الصهيوني المفهوم من ويلات، وما سوف يجره علينا مستقبلاً من مصائب ستنزل بنا، فإن الوقت قد حان للتمرد ـ بضمير مستريح ـ على كل المفاهيم والسياسات الاميركية للخروج من مستنقع التبعية، وإلا فسوف نغرق نحن العرب والمسلمين ـ الحكومات قبل الشعوب ـ في التبعية والاذلال، والارهاصات بدأت فعلاً ضد الجميع.. ضد الجميع.