تجد الادارة الاميركية نفسها في مأزق صعب من ملف العراق يتجلى في فشلها باقناع ما تسميهم حلفاءها بالانضمام الى خططها العسكرية لضرب العراق، وقد ساهم هذا الفشل، في احداث فجوة داخل الادارة الاميركية نفسها الذين انقسم أعضاؤها بين مؤيد للضربة ورافض لها. فمعظم دول العالم متخوفة من الانزلاق الاميركي نحو تبني سياسة الاستعلاء على الدول المغلوبة على امرها ومن شأن ذلك ان يقود دول العالم في المستقبل الى التحالف لمواجهة سياسة الاستعلاء الاميركية، فمصير دول العالم اصبح في يد الولايات المتحدة الاميركية وهذا ما لا يمكن ان يتحقق لها لان مصائر الدول بيد شعوبها والتاريخ يحكم على ذلك. فالقضية ليست صدام حسين في شخصه بل القضية هي رغبة قوة عظمى في تغيير نظام سياسي بالقوة لسبب انه يعارض سياستها الدولية، لذلك نقول انه ان نجحت الولايات المتحدة الاميركية في تغيير النظام العراقي فان الدور سوف يكون على أنظمة عربية اخرى لا تزال تعارض التوجهات الاميركية خاصة في الشرق الاوسط، فسوف تتخذ في حق هذه الدول اجراءات رادعة لارغامها على تغيير سياستها تجاه الولايات المتحدة الاميركية وتحديدا موقفها من اسرائيل.. فالدور سوف يكون على ايران وسوريا تحديدا، وقد بدأت بعض الصحف الاميركية تلمح الى احتمال ان تلتفت الادارة الاميركية الى هذين البلدين بعد ان تكمل ملف العراق.. هذا هو السيناريو العلني الذي تعمل من اجله الولايات المتحدة الاميركية وللاسف انها لم تخف ذلك بل كل الصحف الاميركية تتحدث عن المخططات الاميركية المستقبلية من اجل تثبيت النظام الدولي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة الاميركية لتثبيته لكن من دون ان تكون فيه انظمة سياسية «مارقة» بالمفهوم الاميركي.. لكن هل في مقدرة الولايات المتحدة الاميركية ان تصل الى هدف تغيير الانظمة السياسية التي تعارض سياستها الدولية؟ فإذا كان هدف الادارة الاميركية الحالية هو اطاحة الرئيس صدام فان ذلك يعد سابقة خطيرة في العلاقات الدولية لانه لو تمكنت الادارة الاميركية من اسقاط الرئيس العراقي واقامت نظاما تابعا لها، فان ذلك سوف يقنن لمرحلة دولية جديدة تلجأ فيها اية دولة تمتلك القوة العسكرية لاستعمال القوة العسكرية في ازاحة أي رئيس دولة تكون مستاءة من سياسته. لم تجد الادارة الاميركية تأييدا كافيا من المجتمع الدولي بل من حلفائها المقربين اليها لشن هجوم عسكري على العراق، فمعظم دول العالم قالت فيما قالته بأن الهجوم ليس له أي تبرير قانوني طالما ان العراق اعلن صراحة وعلانية بأنه يوافق على عودة المفتشين الدوليين عن اسلحة الدمار الشامل التي تعتقد الولايات المتحدة الاميركية ان العراق لا يزال يخبئها او ينتجها وهي تشكل برأيها تهديدا مباشرا لمصالحها ولحلفائها في المنطقة. الرئيس الاميركي جورج بوش لم يخف وجود خطط وسيناريوهات عسكرية جاهزة لضرب العراق، لكنه قال انه ليس مستعجلا على توجيه الضربة وانه سوف يأخذ الوقت الكافي لدراسة البدائل العسكرية المطروحة أمامه. ونفهم من هذا التصريح بأن ما يقلق الولايات المتحدة الاميركية ليس التخوف من توجيه الضربة المباغتة على العراق بل التخوف هو من احتمال دخول المعركة من دون غطاء دولي وتحديدا من حلفائها الاوروبيين الذين يبدو انهم ليسوا متحمسين في الدخول في مغامرة يعرفون مسبقا انهم سوف يخسرون فيها اكثر مما يكسبون، فالادارة الاميركية يظهر انها تريد جر حلفائها لمغامرة جديدة لكي تكسب الشرعية الدولية لكن ما يظهر من تصريحات العديد من المسئولين خاصة في المانيا وفرنسا هو ان اوروبا لا تريد ان تبقى تابعة للقرار الاميركي بل انها اصبحت اكثر ادراكا بأن ما يهم الولايات المتحدة الاميركية في عالم اليوم هو تأمين مصالحها وتثبيت زعامتها لا غير، لذلك فان اي مشاركة أوروبية مباشرة في ضرب العراق سوف يخسر أوروبا حلفاءها العرب ومصالحها في العراق، فألمانيا اعلنت صراحة انها لا ترغب الدخول في مغامرة خاسرة وفرنسا اعلنت انها ليست معنية بالموضوع، واكثر من ذلك كله فان معظم دول العالم لا ترى أي مبرر لضرب العراق، وترى بأن ما تقدم عليه الولايات المتحدة الاميركية هو مجرد رغبة شخصية للرئيس الاميركي الذي عزم على اطاحة الرئيس العراقي وكأنه يسعى الى تحقيق ما عجز عنه والده الرئيس الاميركي الأسبق، والدليل على ذلك انه بعد اعلان العراق عن موافقته بعودة المفتشين الدوليين اعلنت الادارة الاميركية ان هدفها هو اطاحة الرئيس صدام حسين ... وتغيير النظام العراقي أي ذات الهدف الذي حققته في أفغانستان!! ـ كاتب جزائري