تعيش معظم دول أميركا اللاتينية أزمة اقتصادية حادة، بل أن بعض تلك الدول على وشك إعلان الإفلاس كالأرجنتين التي تصارع مؤسساتها المالية من اجل البقاء على قيد الحياة منذ اكثر من سبعة أشهر في انتظار أن تنقذها قروض صندوق النقد الدولي من الإفلاس الكامل، أو الأوروغواي التي تعيش على أمل استبدال القرض العاجل الذي حصلت عليه الأسبوع الماضي من واشنطن في لحظة «كرم أميركي» غير معهود بقرض مماثل من صندوق النقد الدولي أي تستبدل السم بالسم، أو البرازيل التي توشك المؤسسات المالية على سحب استثماراتها خوفا من حدوث تغيير محتمل في السياسة الاقتصادية للبلاد إذا تحققت نتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن انتخابات الرئاسة في أكتوبر المقبل يمكن أن تسفر عن فوز اليساري دا سيلفا لوولا، وحتى التشيلي التي كانت حتى وقت قريب تعيش انتعاشا اقتصاديا تحسدها عليه جاراتها في الركن الجنوبي من القارة بدأت تعاني تأثيرات أزمة الأرجنتين. هذه الأزمة الاقتصادية لا تستطيع أي دولة من منطقتي وسط وجنوب أميركا اللاتينية الهروب منها، بل أن بعضها سبق الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل منذ سنوات طويلة، واستوطنت الأزمة فيها حتى أصبحت شعوب دول مثل البراغواي وبوليفيا والبيرو وكولومبيا من أفقر شعوب العالم. وبدلا من توقع انفراج في تلك الأزمات على المدى القريب أو المتوسط يتوقع المراقبون أن تمتد تلك الأزمة الاقتصادية لسنوات طويلة قد تدفع بالمنطقة كلها إلى موجة جديدة من موجات العنف من انقلابات عسكرية وحروب أهلية شبيهة بتلك التي عاشتها المنطقة خلال سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين والتي كان العسكر يسيطرون فيها على مقاليد الحكم عبر الانقلابات العسكرية والأنظمة الدكتاتورية التي تعتمد على حماية الجنرالات في مواجهة الشعوب، وهذا التوقع له ما يدعمه من إحصائيات وأرقام تحتويها دراسات لمؤسسات دولية محايدة مثل المعهد الدولي لدراسات السلام باستوكهولم تؤكد أن السنوات المقبلة ستشهد موجة جديدة من السباق على التسلح الناتج عن الدعم الأميركي العسكري المباشر لبعض الحكومات مثل الحكومة الكولومبية أو التشيلية مما يدفع جارتيهما إلى البحث عن مصادر تساعدها على إعادة التسلح أو إحلال أسلحة حديثة محل الأسلحة القديمة التي تآكلت خلال السنوات العشر الأخيرة التي شهدت فيها القارة ازدهارا ديمقراطيا نسبيا. ولا يستبعد المراقبون أن يكون المصدر الرئيسي لتلك الأسلحة هو الولايات المتحدة نفسها خاصة أن معظم الأسلحة المطلوب تجديدها صناعة أميركية، وأيضا من موردي السلاح الآخرين الذين يتنافسون في سوق السلاح الدولي هناك فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، بالإضافة إلى روسيا التي دخلت المنافسة في هذه السوق التي تعتبرها مصدرا رئيسيا للعملات الأجنبية الغربية التي يمكنها أن تحصل عليها، أيضا لأن هذه التجارة ليست مصدر عملات لخزانة الدولة فقط بل تعتبر مصدرا للإثراء الأهم لرجال الرئيس فلاديمير بوتين الذين ورثوا هذا المصدر عن حاشية الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين. بل تؤكد مصادر مطلعة أن هذا السباق الجديد على التسلح الذي قد يحكم على منطقتي وسط وجنوب أميركا اللاتينية قد بدأ بالفعل، وان بدايته كان بتسليم واشنطن للجيش الكولومبي 35 طائرة هليكوبتر بلاك هوك و45 من نوع بيل يو اتش كجزء من الخطة العسكرية المعلنة خلال العام الماضي لمواجهة حرب العصابات التي تعيشها البلاد تحت شعار مكافحة الإرهاب والمخدرات، وكذلك إعلان التشيلي عن عزمها شراء 10 طائرات اف 16 دفع الدول المجاورة للدولتين إلى إعادة النظر في خطط خفض التسليح التي كانت سائدة خلال العقد الأخير من القرن العشرين واضطرتها الأوضاع التسليحية الجديدة إلى التوجه إلى سوق السلاح الدولي لتسليح جيوشها على الرغم من الأزمات المالية التي تعاني منها، خاصة أن معظم تلك الدول تعيش مشاكل حدودية مع جاراتها لم يتم حلها بشكل نهائي، فهناك مشاكل حدودية بين كل من الأرجنتين وجارتيها البرازيل والتشيلي أو بين البيرو والإكوادور أو مشاكل متعلقة بتنقل الثوار ما بين كولومبيا وفنزويلا. يقول المراقبون أن التوجه التشيلي لشراء الطائرات الأميركية وقرار حلف الأطلسي منح الأرجنتين صفة الحليف الاستراتيجي الذي يسمح لها بالاستفادة من فائض التسليح دفع بالبرازيل إلى الإعلان عن شراء 24 طائرة مقاتلة جديدة تقدر قيمتها بحوالي 700 مليون دولار، وذلك كخطوة أولى يتم استكمالها لعقود جديدة لتصل إلى 100 طائرة مقاتلة تقدر قيمتها النهائية بحوالي 3 مليارات دولار، وبما أن البرازيل لا تملك الأموال الكافية لشراء تلك الطائرات فقد توجهت إلى شركات تبيعها تلك الطائرات من خلال قروض ميسرة إلى حد ما، أدى هذا الإعلان إلى فتح معركة بين الباعة المحتملين مثل الشركة الفرنسية البرازيلية المكونة من داسو الفرنسية وامبراير البرازيلية، وكذلك السويدية ساب، والأميركية لوكهيد مارتين، إضافة إلى عروض روسية مغرية لتوريد مقاتلات من نوع سوخوي وميج. فيما تنظر السلطات الفنزويلية إلى خطط واشنطن وتسليحها للجيش الكولومبي بعين القلق نظرا إلى العداء المعلن من جانب البيت الأبيض تجاه الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز التي ترى فيه عدوا محتملا في المستقبل بسبب علاقاته الحميمة مع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، وأيضا لثقله السياسي المتزايد بين أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط «الأوبك» بعد دوره في التوصل إلى اتفاق الحفاظ على سعر تقريبي للنفط في ظل أمانة رجله المقرب علي رودريجيز، مما جعل من نفط فنزويلا غير مضمون بالنسبة للشركات الأميركية، لذلك بدأت فنزويلا البحث عن مصدر تسليح تضمن لها تسليحا تواجه به الطائرات الأميركية التي اصبح الجيش الكولومبي يمتلكها فيما تعتمد فنزويلا على قوات جوية مكونة من 20 طائرة أميركية قديمة من طراز اف 16، أما قواتها البرية تعتمد بشكل أساسي على 80 دبابة فرنسية من طراز أيه أم اكس 30 التي قد تصبح عديمة الجدوى في حالة حدوث صراع مسلح على الحدود مع كولومبيا التي تمتلك طائرات الهيلوكبتر الأميركية من نوع بلاك هوك القادرة على الطيران المنخفض. هذا السباق الجديد في منطقة وسط وجنوب أميركا اللاتينية دفع بعض المسئولين في تلك الدول إلى التخلي عن برامجهم الاجتماعية الملحة لمد شبكات الطرق والكهرباء والماء إلى المناطق المحرومة منها منذ عقود، وتوجيه جانب من ميزانيات تلك الخطط لشراء أسلحة أو إعادة تجديد أسلحة الجيش، وربما كان رئيس البيرو اليخاندرو توليدو نموذجا لهذا التوجه حيث وجد نفسه مجبرا على استكمال صفقة طائرات ميج 29 الإعتراضية وسوخوي المقاتلة التي بدأها الرئيس السابق البيرتو فوجيموري عام 1995 والتي تكلفت حوالي 400 مليون دولار وذلك بعد ان فشل اليخاندرو توليدو في إقناع حكومة جارته التشيلي بإلغاء صفقة طائرات أميركية من طراز اف 16 حتى لا تكون هذه الصفقة سببا في اختلال التوازن الاستراتيجي بين القوات المسلحة للدول المجاورة، خاصة أن الطائرات الأميركية لها صفة هجومية ومن السهل تسليحها بأنواع من الصواريخ المتوسطة المدى التي تمكنها من مهاجمة جاراتها بسهولة. أيضا وجدت حكومة الإكوادور نفسها في حاجة إلى تجديد سلاحها الجوي على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها، الموقف نفسه اتخذته حكومتا الأوروغواي والباراغواي اللتان تمتلكان سلاحا بحريا قديما غير قادر على مواجهة التسليح الجديد الذي تحصل عليها جاراتهما. هناك بعض المراقبين يتهمون الإدارة الأميركية بأنها تقف وراء هذا السباق الجديد على السلاح بين دول أميركا اللاتينية بسبب رفعها الحظر على بيع السلاح الهجومي إلى تلك الدول الذي كان الرئيس السابق جيمي كارتر أعلنه عام 1977 لعقاب الأنظمة الدكتاتورية العسكرية والمدنية التي كانت قائمة وقتها، ولمساعدة تلك الدول على التوجه الديمقراطي، وجاء رفع هذا الحظر في أغسطس 1997 في عهد الرئيس بيل كلينتون استجابة لضغوط شركات السلاح الأميركية تحت دعوى أن السلاح لم يتوقف عن التدفق إلى المنطقة خلال فترة الحظر التي انتهزتها شركات السلاح الأوروبية، ثم جاءت إدارة الرئيس جورج بوش الابن لتقدم المزيد من الدعم لتلك الشركات من خلال إشراكها في تمويل خططها الأمنية في منطقة أميركا اللاتينية، والعمل على استعادة السيطرة على بعض الدول ذات التوجه غير الأميركي. إضافة إلى تلك الأسباب من المراقبين من يرون أن جزءا من سباق التسلح يعود إلى رغبة الحكومات المدنية في إرضاء جنرالات جيوشها، لأن شراء الأسلحة وإن كان يشكل أحد مطالب هؤلاء الجنرالات الدائمة بدعوى تحديث الجيش فإن صفقات الأسلحة تعد أحد مصادر الإثراء لجنرالات الجيش من خلال العمولات التي يحصلون عليها من مصادر البيع، وعدم الاستجابة لهذه المطالب قد يشكل خطرا على الحكومات المدنية لأن الجنرالات لا يزالون بعيدا عن سيطرتها الكاملة. لكل هذا تؤكد الدراسات على أنه من المتوقع أن تنفق حكومات أميركا اللاتينية خلال السنوات الخمس المقبلة ما يزيد على 5200 مليون دولار، تحاول الشركات الأميركية أن تحصل على نصيب الأسد منها، وان كانت الشركات الفرنسية والبريطانية والإيطالية والروسية تعد منافسا مهما في تلك المنطقة، لذلك يرى المراقبون انه بعد سقوط الأيديولوجيات بانهيار الاتحاد السوفييتي فان وريثه الاتحاد الروسي سيحاول إثبات انه قادر على المنافسة في أميركا اللاتينية من خلال تقديم عروض افضل لبيع سلاحه، ولكن التسهيلات التي يمكن أن تقدمها الشركات الأميركية إضافة إلى نفوذ واشنطن في صندوق النقد الدولي وأيضا نفوذها داخل قيادات الجيش يجعل الشركات الأميركية اكثر حظا من الشركات الأوروبية في الحصول على أفضل عقود التسليح في المنطقة. لكل هذه الأسباب يرى المحللون السياسيون أن هذا الصراع المستمر على بيع تلك الدول أسلحة تستنزف إمكانياتها المالية سيكون له اثر سلبي على البرامج الاجتماعية التي تحتاجها تلك الدول، ويؤكدون أنه ما لم يتم إيقاف المنافسة على التسليح وتوجيه مخصصات اكبر للتعليم والصحة والخدمات العامة فإن تلك المنطقة قد تشكل نقطة انطلاق جديدة لثورات اجتماعية قد تتسبب في صراع أيديولوجي جديد لا يعرف أحد ما يمكن أن ينتهي إليه. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com