يقول المثل التشيكي: «لا تعتقد ان الحماية في ان تحيط نفسك بالاسوار، وانما تحمي نفسك بالاشخاص الذين تحبهم». لاشك ان هذا المثل يحمل في طياته ذخيرة التجربة الانسانية ومخزونها من الحكمة المبصرة، والعاطفة الذكية التي ارست دعائم المودة بين البشر، واحيت معاني الوصل والاتصال بين الفرد ومجتمعه العام، عبر قنطرة الود الصادق، والاخلاص في التعامل مع الآخرين. وشأن الانسان في هذه الحياة انه في حاجة مستمرة الى نوع من الدعم والمساندة بأشكالها المختلفة عاطفية معنوية، ام مادية مرئية لكي يرتفع مؤشر احساسه بالأحياء من حوله ويتحقق له اعلى قدر من التواصل بينه وبين المحيطين به. غير ان بعض الافراد يختفي لديهم الإحساس بوجود الدعم الخارجي من حولهم، نتيجة شعورهم بانعدام الثقة في المحيطين بهم وبالتالى يؤثر احدهم العزلة الشعورية على ان يكون شخصا ايجابيا يمد يده للآخرين ويثمن مشاعرهم نحوه، ومما يلاحظ على مثل هؤلاء الافراد ان كل واحد منهم يعمل لنفسه لا لاسرته، او هكذا توحي تصرفاته وسلوكه العام وهو يؤثر التفرد في اتخاذ القرار وتجاهل الطرف الآخر القريب منه، حتى ولو كان هذا الطرف هو شريك الحياة، او احد الابناء الراشدين. ومن الغريب حقا ان مثل هذا الشخص البارد الشعور نحو المحيطين به، يعتقد انه يوفر حماية مضاعفة لشخصه حين يقوم بتنحية المقربين وابعادهم عن دائرة التأثير، وعن عالمه الخاص الذي يحيطه بأسوار الغموض والصمت والاسرار! ولان مثل هذا السلوك العديم الاحساس بالآخرين يدمي قلوب المحيطين به، ويثير لديهم مشاعر سلبية فان الابتعاد يكون خيار الجميع. وحينها يصبح من السهل التكهن بأن مقدارا من القوة الدافعة، ومن الحماية الطبيعية كان يمكن ان يظفر به لو اصلح من نظرته القاصرة التي جلبت له الشعور بالوحدة والالم، وجعلته فاتر العاطفة منطفيء الحماس تجاه اشراك المقربين في اموره الخاصة، حيث تظل احزانه وافراحه قاصرة عليه! ولست ادري اي شعور ببهجة الحياة يمكن ان يصاحب شخصا كل سلاحه في مواجهة الازمات شخصه البارد، وعاطفته المجمدة وكيانه الضعيف الذي يفتقر الى قلوب مخلصة تنشر الدفء في كيانه وتشعره بمشاركتها الوجدانية والعملية وحرصها عليه، وعلى عكس هذا الفرد الباهت النظرة الى الآخرين تأتينا كلمة (اليس ولكر) في كتابه البحث عن جنة الامهات لتضعنا امام نوع متميز من الناس يحمل كل فرد فيها شعوره بالامتنان ويصطحب معه مشاعر العرفان لكل اولئك الذين مدوا ايديهم اليه، وقدموا له نوعا من الخدمة التي ساهمت في انجاح مهماته المختلفة. يقول اليس ولكر في ذلك الكتاب: «لقد وجدت من يرشدني في كل مكان تجولت فيه، ولقد ساعدني وشجعني وساندني واحتضنني اناس من جميع الاجناس والعقائد والالوان، وقمت (بقدر ما استطعت) برد معروف هؤلاء الناس الذين كان عطاؤهم من اكثر التجارب متعة وغرابة في حياتي. ان الاعتراف بصنيع الايدي البيضاء ليس انوعاً من المكافأة السريعة التي ينبغي ألا تؤجل او تهمل، ومن يتعود على الأخذ دون ان يدرب نفسه على العطاء يصبح من اكثر الناس بعدا عن الناس، كما ان سلوكه يحرمه من الكثير من القلوب التي كان يمكن ان تشمله بالعناية والخدمة، ولكنها لم تجده أهلا لذلك. وقديما قيل: «ان ما تكسب من حب يعادل ما تبذله من ود» وهي معادلة عادلة، وجزاء معلوم. فهل يعي الانانيون هذا المعنى، وهل يفهمون ان لذة العطاء لا تقل لحظة عن لذة الاخذ بل ان للعطاء سرورا في القلب لا يستشعره الا اولئك الذين قال عنهم فيكتور هوغو فى مؤلفه الشهير «البؤساء»: «اذا اردت ان تشعر بنعم الله، قدم الحب للآخرين»؟! ان هذا الملمح الانساني العميق، وهذا السبر الدقيق لاغوار النفس البشرية انما هما رسائل تصف النجاح في مداه الواسع، وتشرح العلاقة الانسانية الواعدة شرحا وافيا يؤكد قيمة الارتباط الصادق مع الآخرين في اثراء الحياة واضافة ابعاد عميقة للعمل الانساني تجعل من صاحبه قدوة ومثلا للآخرين. ويحضرني قول للكاتب (هيليل): «اذا لم يكن لي خير في نفسي فمن يمنحني الخير؟ واذا كنت اؤثر نفسي فقط فمن انا اذن؟ واذا لم افعل الآن، فمتى؟» .