من الذي روج شائعة ان السياسة هم ونكد، أو أن متابعة نجومها الحاليين تقصر العمر وتصيب بضغط الدم؟ لابد ان من فعل ذلك خائن أو عميل، واذا افترضنا حسن نيته سنقول انه «دقة قديمة» يتصور ان الحكام الحاليين لا يزال بينهم عبدالناصر وبن بللا والملك فيصل. في اليوم الاول الذي مارس فيه الرئيس السادات صلاحياته الرئاسية كخلف لعبدالناصر، دخل عليه مدير المكتب سامي شرف وهو يحمل كومة من التقارير.. تقارير مخابرات وأمن قومي ومخابرات عسكرية وقياسات رأي ومعلومات تهم مصر ترسلها المكاتب الصحفية في الخارج ونشرة مختصرة لأهم ما تنشره صحف العالم وشكاوى المصريين البسطاء وغيرها. نظر الرئيس الجديد الى سامي شرف الذي كان مديرا لمكتب سلفه وقال له بطريقة مسرحية «ايه ده يا سامي انت عايز تقتلني زي ما قتلت عبدالناصر».. كان الرئيس السادات يقصد ان قراءة التقارير هي التي اصابت سلفه بعدة أمراض وجلبت له الهم والنكد، فمات وعمره اثنان وخمسون عاما، وبدا في اواخر حياته وكأنه في السبعين. ايام عبدالناصر كانت السياسة كلاسيك، مملة وتجلب المرض والموت الآن نحن نعيش عصر ما بعد الحداثة. لذلك فان متابعة الشأن السياسي افضل الف مرة من دخول مسرحية لعادل امام او دريد لحام.. تابع وستجد نفسك تضحك الف مرة في اليوم.. صدقني وجرب. كثير من نجوم السياسة والعمل العام الآن صغاراً أم كباراً هم أقرب لنجوم الكوميديا. قبل أحداث 11 سبتمبر طلب عمرو موسى من ادارة الاعلام بجامعة الدول العربية ان تبحث له عن أفكار مبتكرة يمكن من خلالها اقناع الرأي العام الغربي بعدالة قضايانا.. أحد الموظفين الكبار بالادارة أخذ يفكر لأيام وليال طويلة وبعد جهد جهيد رفع مذكرة رسمية لأمين الجامعة تتضمن حسب رأيه أفكاراً مبتكرة. وصلتني نسخة من مذكرة الموظف الكبير الذي كان يمكن ان يصبح ممثلا للجامعة العربية أو سفيراً لبلاده في أي عاصمة غربية يقترح الخبير العبقري ان نطبع صور المسجد الاقصى المبارك وقبة الصخرة على ورق تواليت توزعه الجامعة العربية مجانا للحمامات العامة.. اخذ الرجل يشرح مزايا الفكرة ومزايا الحمامات وكيف يظل الغربيون بها أوقاتا طويلة باعتبارها بيوتاً للراحة.. كيف انه سيكون لديهم الوقت لتفهم قضايانا وبما أن ابواب بيوت الراحة تكون مغلقة على من فيها فان في طرح هذه الفكرة مغازلة للخصوصية. ثم أتبع الرجل الفكرة بأمثلة خوفاً من أن يسخر احد منه كما افعل انا الآن، فأكد ان هناك تجارب سابقة تؤكد امكانية نجاح فكرته.. ومنها مثلاً ان الفول السوداني لم يكن عليه اقبال في احدى الدول العربية فاهتدت احدى الشركات الى اختراع كيس للفول شكله اشبه بصدر سيدة كلما مددت يدك لالتقاط حبة من الكيس اهتز نهداها، ويؤكد الرجل ان هذه الفكرة العبقرية كان فاتحة خير وزادت مبيعات الفول السوداني. ربما يفكر احد في ان يسألني ما هي علاقة كيس الفول السوداني بالقضية الفلسطينية؟ وأقسم لكم اني لا اعرف لكني على استعداد لتزويد من يسأل باسم الرجل وتليفونات مكتبه وما يشجعني على ذلك انه يدافع عن فكرته باستماتة حتى الآن وأظن انه صاح وجدتها (حينما اهتدى الى فكرته) صيحة اعلى من ارشميدس الذي فعلها ذات يوم هو الآخر. كانت هذه مجرد واقعة حقيقية من وقائع اكثر من الهم على القلب.. ففي وقت من الأوقات تلبست بعض الزعماء عبقرية الكتابة الابداعية، فأصدروا روايات عقدت لاجلها الندوات المدفوعة وصورتها عدسات التلفزيون مثلما صورت يوماً مناقشة رسالة ماجستير تقدمت بها طالبة الى كلية الآداب ربما لأول وآخر مرة في التاريخ، وخلال المناقشة اخذ اعضاء اللجنة يتغزلون في عبقرية الطالبة وحسن اختياراتها ونبوغها ولم يوجه اليها ولو سؤال واحد على محمل الجد. العمل السياسي اذن عمل لذيذ وكله فرفشة، ولأني انوي بعد عمر طويل دخول هذا العالم من أوسع ابوابه حينما ابلغ السن القانونية لممارسته وهي كما تعرفون ثمانين عاماً فإني اود ان اخبر قراء هذه الزاوية بسر وهو انني اجهز لكتابة رواية لكني محتار في اسمها. ما رأيكم؟ أظن ان الرواية جاهزة ولا مانع أمامي من دخول المضمار الا حكاية السن! تحدثني نفسي ان ازور شهادة ميلاد لأتغلب على هذه العقبة السخيفة لكني قررت ان ادخر حكاية التزوير هذه للانتخابات. رجال السياسة في بلادنا العربية اشبه بممثلين يصعدون على المسرح ويؤدون ادواراً ارتجالية بدون مخرج لاضحاك الجمهور كل منهم يحاول انتزاع القفشات والضحكات وحرمان زملائه الآخرين منها.. الجميع يستعرض خفة دمه ولدى الجميع استعداد ان يمثلوا ادوار الخير والشر، أدوار الصقور والحمائم، أدواراً كوميدية او تراجيدية حسب الظروف اذا كان الجو بارداً ابكانا واذا كان حاراً اضحكنا طموحاتهم تحت اقدامهم.. ذكروني بسياسي مصري يرأس احد الاحزاب كل همه ان تتاح له الفرصة حتى يقرأ أكف كبار المسئولين، وعندما وجد ان العمل السياسي ليس له جماهير وكذلك قراءة الكف قرر ان يفتتح فصلاً في مقر الحزب لتعليم الحلاقة. احترم رئيس الحزب هذا للغاية، لأنه على الأقل صادق مع نفسه ويعرف قدراته ويعتقد ان الحياة السياسية لا تحتمل غير هذا الهزل الذي يمارسه، اما السياسيون الآخرون فيتصورون انفسهم خير من انجبت الارض. كان الله في عون عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية، هو الوحيد المضطر للتعامل مع الممثلين سواء كانوا فنانين بحق ام كومبارس ام حتى حراساً شخصيين لنجوم وراء الستار. اخشى على الأمين العام من مصير بطل اسكتش «عايز مين.. عايز بابا.. أقوله مين.. قوله عمو.. عمو مين، أقوله مين بيكلمه». من لم يسمع هذا الاسكتش اللطيف عليه بأي سياسي عربي فلابد ان أغلبهم يحفظونه عن ظهر قلب ويجيدون تمثيله ايضاً. رحم الله محمود زنكي سلطان الشام الذي أجاب عالماً طالبه بالابتسام وقال له كيف اضحك والمسجد الأقصى أسير؟