تمنينا على مديري إدارات المرور في الدولة أن يخرجوا من اجتماعهم الأخير بتوصية أكثر حزماً وحسماً حول تلوين زجاج السيارات، توصية لا تقبل أي جدل ولا تحتمل أكثر من معنى او تفسير. تمنينا بالفعل ان يكون القرار صارماً كأن يفرض عدم السماح بنسبة تلوين تزيد على الـ 30% أو 50% كحد أقصى لأي كان ومهما كانت الأسباب والظروف مع التشديد في عقوبة مخالفة القرار حتى لو كان الشخص مستعداً لدفع مليون درهم ثمناً لتلك المخالفة أو تلوين زجاج سيارته كما يحلو له. لكن التوصية التي رفعها السادة مديرو إدارات المرور جاءت مخيبة للآمال وتجاوزت مسألة مراعاة ظروف الأسر والأطفال والسعي لتوفير جو مريح لمستخدمي المركبات ومنع التجاوزات الشخصية والمحسوبية كما ذهبوا اليها، وأخذت بعداً آخر أقل ما يمكن القول انه أشعرنا وكأننا في «بازار» أو «ليلام» يساوم فيه البائع المشتري. فمن يُرِدْ نسبة تلوين 30% فليدفع 3000 درهم، ومن يرغب في تلوين زجاج سيارته بنسبة 50% فعليه دفع مبلغ خمسة الاف درهم ومن يُرِدْ زيادة في السواد فليدفع عشرة آلاف درهم لينال تصريحاً بنسبة تلوين 75% اما اولئك من هواة الظلام الدامس ويرغبون في السير في الطرقات كأشباح ترهب الآخرين وتخيفهم فليسلموا عشرين الف درهم عدا ونقدا. وهكذا جاءت التوصية لتعصف بكل ما كان يردده رجال المرور حول مخاطر تلوين زجاج السيارة بأكثر من 30%، وبعض الادارات كانت ترفض تلوين زجاج السيارات حتى نسبة 1% بل وكانوا يرون في تلوين الزجاج أكثر من 30% أحد الأسباب التي تؤدي إلى حوادث مرورية اذ يحجب الرؤية عن السائق، أما التلوين الشامل فقد كان محظوراً. ماذا حدث إذن .. ؟! هل ستكون الرسوم التي يدفعها الراغب في الحصول على تصريح «المخفي» سبباً في تخلي رجال المرور عما كانوا يرددونه، وهل ستتنازل ادارات المرور عما كانت تنادي به، وهل ستغير رأيها حول مخاطر المخفي، الذي يبدو انه لم يعد له مضار .. وهل ستكون الكلمة في امتلاك تصريح «المخفي» لمن يملك رسومه؟ وهل يرى المسئولون في أي جهة حكومية في فكرة تحديد رسوم في مثل هذه الخدمات تحديداً، ما يخدم المصلحة العامة؟ الا تعتقدون انها تحمل دلالات تمييز صارخ بين ابناء الوطن لتكون نسبة تلوين زجاج السيارات دليلاً على الطبقة التي ينتمي اليها الشخص فمن يدفع يحصل على التصريح، ومن لا يملك لا يلزمه «مخفي»، وليكتفي بتلوين 30% على زجاج البابين الخلفيين المجاني. شخصياً أتمنى الا يرى هذا القرار النور فهو ببساطة لا يحقق سوى هدف واحد وهو ايجاد مصدر دخل جديد لخزينة الدولة، كما قال السادة مديرو ادارات المرور مقابل عشرات الثغرات والسلبيات التي يفرزها تطبيق هذا القرار، لعل اهمها اسقاط نظرية رجال المرور انفسهم حول «المخفي» خاصة الشامل منه، وكلنا يذكر الحملة الشرسة التي قادتها ادارات المرور عليه قبل سنوات لبروز اسباب ادت الى ذلك. فالمخفي الشامل ببساطة شديدة يعني تظليم السيارة بالكامل فلا يكاد يظهر منها الا لونها وان كانت سوداء اللون فإنك لن ترى امامك سوى كتلة سوداء بل شديدة السواد تسير في الطرقات، نتساءل كما شاهدتها كيف يرى قائد هذه السيارة الطريق من امامه ومن خلفه، وماذا لديه في السيارة، اصلا، حتى يخفيه عن الانظار بكل هذا السواد، ويلف السيارة من كل جوانبها بورق اسود يحجب الرؤية تماما ولا يسمح بنفاذ ولو بصيص من النور الى داخلها فتكون وكأنها غرفة نوم دامسة.