اقتربت ساعة الحساب والمراجعة والتأمل في دروس الحرب الاميركية ضد «الارهاب» الاسم الرمزي لأوسع وأعنف غزوة حديثة ضد العرب والمسلمين، وان ارتجف بعض المرجفين من مواجهة الحقيقة الساطعة كشمس سبتمبر في صحرائنا العربية. ومع اقتراب الذكرى الاولى لهجمات 11 سبتمبر وانهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، والهجوم على مبنى البنتاغون اقيمت السرادقات الاعلامية، ونصبت المسارح السياسية، في عواصم العالم، وبدأت الفضائيات تعزف لحنا جنائزيا، فيما الحقيقة تقبع في أقبية المجهول والمسكوت عنه. وأول الحقائق المغيبة في السرادق الاميركي الاحتفالي بعد عام من هجمات 11 سبتمبر، هي التساؤل عن جذور «الارهاب»، وهل أخذت واشنطن على غرة؟ رغم تعدد اجهزتها المخابراتية والأمنية وهل «الارهاب» نبت شيطاني لا جذور له، ظهر فجأة، والتصق جرمه ببلداننا الاسلامية والعربية؟ وكتب علينا ان نقضي ايامنا دفاعا عن تهمة وجرم، ونحن ضحايا. وثاني الحقائق المسكوت عنها في «مناحة» البث الفضائي، والسيل الاعلامي الاميركي، تتعلق بطبيعة الحرب الدائرة، والتي تقرع واشنطن طبولها على مدار الساعة، وهل هي حرب ضد الارهاب؟ ام هي الارهاب نفسه؟، هل هي حرب لمطاردة مرتكبي هجمات 11 سبتمبر، ام هي حرب «صليبية» ترفع لواء صراع الحضارات وتستهدف «امركة» العالم، وفرض القيم الاميركية بالقوة، بمعنى اجبار شعوبنا على خلع ردائها الاسلامي الحضاري؟ وثالث هذه الحقائق الموضوعة خلف جدران الصمت، ترتبط بمصير الحضارة الانسانية بوجه عام، في ضوء التهديدات التي تعترض عملية التعايش بين حضارات الشعوب، وحوارها الحضاري، الذي بفضله تواصل العطاء الانساني، وتلاحقت الحضارات في عملية اخذ وعطاء، وتأثير وتأثر عبر التاريخ، ورغم انتقال منارات الاشعاع من قارة الى اخرى. وبعيدا عن منهج التفسير التآمري للتاريخ، وما يلقاه من قبول وارتياح لدى كثيرين، سواء في مجتمعنا العربي، او في اوروبا، فان ما جرى يوم 11 سبتمبر وبعد عام يبقى لغزا يستعصي على التفسير العقلاني، بل كلما التزمت قراءة التتابع التاريخي للحدث، وتداعياته، كلما استغلق عليك فهم ما جرى لدرجة تدفع بكثير من المحللين المشهود لهم بالقدرة على معرفة الحدث، وعدم التسرع في اطلاق الاحكام، قدموا تفسيرات غريبة لما جرى، مثلما حاول الكاتب الاشهر محمد حسنين هيكل تحميل نخبة عسكرية من الصرب مسئولية الهجمات على مركز التجارة العالمي، او على طريقة الباحث الفرنسي الذي قدم تفسيرا تآمريا يستند الى دور مشترك بين الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية، ودوائر اخرى. اما فيما يتعلق، ب«الارهاب» ودمغنا به، فتلك الخديعة الكبرى، التي ابتلينا بها منذ بدء الغزوات الصليبية للمشرق العربي، وما تلاها من غزوات في التاريخ الحديث، واطلق عليها الاوروبيون مصطلح «الفتوحات» والاكتشافات الجغرافية، فيما يستكثرون على الفتوحات الحقيقية للحضارة الاسلامية وصفها بالفتوحات. فلقد أرسى الغرب «حقيقة» هي من الحق فارغة، تدمغ كل عمل مقاوم من جانب شعوبنا، بالارهاب، فيما ترى في الاحتلال عملا حضارياً، ونشرا للحداثة!. ويكفي في عجالة ان نذكر بدور المخابرات الاميركية في افغانستان، وتفريخها لمن تصفهم الآن بـ «الارهاب» ولا تكتفي بل توسع دائرة الاتهام لتطال قيم الاسلام ذاته، لتبرير حربها المستمرة، والتي لا يعرف احد الى اين تتجه المرة المقبلة؟ وحتى لا نغرق في عملية خداع الذات، وننساق خلف الاوهام، يجب ان نتيقظ لما يتداول، ونمعن قراءة ما بين السطور، فعلى سبيل المثال، اعاد توماس فريدمان الكاتب الاميركي في مقال لصحيفة «نيويورك تايمز» امس تكرار معزوفته في ذم العرب والمسلمين. رأى فريدمان صاحب اصخب حملة تحريض على كراهية العرب، ان اهم دروس 11 سبتمبر، ثلاثة: اولها ان الارهابيين اشرار، ترعرعوا في مجتمعات فشلت في تحضيرهم وتنشئتهم على قيم الحداثة، مستعينا بكلمة لعلي سالم الكاتب المسرحي المصري المغترب ثقافيا عن وطنه، وقوله ان جذور الارهاب نفسية، وتكمن في مشاعر الحقد والغيرة التي تستوطن «المتطرفين الاسلاميين»!. خلاصة القول، ان ما يجري هو حرب بأدوات جديدة، حتى ان سكتت المدافع، وان رفعت رايات السلم، فهناك على الضفة الاخرى من المحيط يقف قارعو طبول الحرب ضد العرب والمسلمين وعلينا ان نفهم قبل ان نتحرك بأي اتجاه.