قال لي الممثل الشاب: سيعرض فيلمي الأخير بعد أسابيع قليلة. وأنا أتوقع له النجاح. ولكن اذا لم ينجح قررت أن اعتزل! ونظرت له بدهشة، متوقعا ان يكمل حديثه بالمزاح لكنه استمر جادا. ومع ذلك فهو لن يعتزل. فإن الذين يمارسون أعمالا أدبية أو فنية يظنون انهم قادرون على الاعتزال. ولكن التنفيذ في غاية الصعوبة، ان لم يكن مستحيلا. وأنا نفسي قررت اعتزال الكتابة عدة مرات. كانت احداها الى أكثر من عام. ولكن لم يتجاوز عدة أيام. وأذكر انني اتفقت على عمل تحت الغواية المالية، وكانت المرة الأولى والأخيرة في حياتي. وحاولت فيما يقرب من عام أن انجز هذا العمل، لكنني فشلت تماما. انجزت ربعه وكأنني أحمل أحجار الهرم الأكبر على صدري. وكنت أبحث عن الظروف التي تساعد على العمل وكان آخرها انني سكنت في شقة في المعمورة لأكتب فيها. والمعمورة حي في الإسكندرية يضج بالزحام في شهور الصيف وتسير فتصطدم بالآخرين، لكنه في الشتاء لا تسمع فيه صوتا، فإذا سمعت دهشت. وعندما كنت أسمع صوت سيارة كنت أطل من النافذة لأرى هذه الأعجوبة. الهدوء الكامل وحتى جهاز التلفزيون كان رديئا. ومضى شهر وراء شهر وأنا لا أنجز شيئا. وأحسست بحزن شديد. والتفت ورائي، فوجدت انني اعمل منذ سنوات طويلة بلا اجازة ولا توقف وكنت غالبا أجد في العمل الفرح والسعادة ورأيت انه آن الأوان للاعتزال فلا يستطيع انسان - هكذا قلت لنفسي - أن يعمل طول عمره. وقررت فعلا الاعتزال. قررت جديا ولكنني كنت قلقا من الفشل في تنفيذ القرار، لذلك اخترت تجربة الكف عن التدخين. فلقد توقفت أولا ثم أعلنت الخبر بعد ذلك. فلقد خشيت ان اعلن القرار ولا استطيع تنفيذه فأتعرض لتعليقات قاسية. جمعت الأوراق ووضعتها في حقيبة. وابعدت كل ما له علاقة بالكتابة. وبدأت أفكر في برنامج الليلة. كانت هناك دعوة مفتوحة من اصدقاء من الأدباء. لكنني استبعدت الدعوة فورا، اذ لابد أن ابتعد عن كل ما له علاقة بالكتابة. وكانت هناك أماكن اخرى ذهبت لبعضها في شبابي، ولبعضها منذ فترة قريبة. واخترت احدها لأسهر فيه الليلة خاليا من كل هموم العمل. كان مكانا جميلا استطاع ان يحافظ على مستواه وعلى طابعه الكلاسيكي. وجلست بالطبع وحدي. ولم يكن هناك غيري يجلس وحده، وكان الجميع قد تعطفوا علي بنظرة.. اما أنها نظرة عابرة، أو فضولية، أو متسائلة، أو ربما مستنكرة. وجاءت مطربة متفرنجة، وأخذت تغني، وبعد لحظات أدركت انني المستمع الوحيد لها، فالناس مشغولون في أحاديثهم. ولذلك بدأت توجه وجهها ناحيتي ولفت هذا نظر بعض الفتيات فأخذن يتهامسن. وأنا من المشغولين بسؤال قديم: لمن يغني المطرب؟ ولقد سألته لاصدقائي من المطربين وكان غيري قد سأله لأم كلثوم فقالت انها تنتقي أحد الحاضرين وتغني له في غالب الأمر لم يسبق لها أن عرفته، وبالتأكيد لا يعرف انها تغني له. وقالت ان أفضل مرة غنت فيها، واستمتعت بغنائها كانت تغني لكفيف كان يبدي ما يؤكد علمه وعشقه لما تغني. وهذه المطربة المتفرنجة ربما اختارت العب دلله لانه الوحيد الذي اعطاها أذنيه، ولكن الفتيات تدخلن بالنظرات والابتسامات. بعدها أتى مطرب آخر. وفعل ما فعلته المطربة بالضبط. وأحسست بحيرة الفتيات، وان القصة التي خطرت على بالهن لم تكن قصة على الاطلاق. وعدت الى البيت في وقت متأخر من الليل. وتكرر هذا لمدة ثلاث ليال متوالية. وكانت زوجتي تكلمني في الصباح والمساء تطمئن على أحوالي فلا أجيبها بشيء واضح. واخيرا قلت لها انني قد اعتزلت الكتابة، وانني سأعود بعد بضعة أيام اعتبرها اجازة نهاية الخدمة! ولم تعلق. قالت انه اذا كان هذا قراري الاخير، فحبا وكرامة. وكانت هذه الليلة هي أقسى الليالي، لم أعرف أين أذهب، ولم أعد أطيق الجلوس وحدي وسط زحام الآخرين ولم أعد اعرف النوم، ارتبكت حياتي كلها. وانقلب حزني لانني تورطت في مشروع لا أحبه، الى حزن أكبر لانني لا أجد ما أفعله، وفي صباح اليوم التالي أرسلت اعتذارا عن العمل الذي ارهقني ما يقرب من عام. وقررت ان أعود الى الكتابة وكانت مشكلتي هي خشيتي ممن عرفوا بالخبر. وسألت زوجتي. فقالت لي: لم أقل لأحد لأنني كنت أعرف انك ستعود عن هذا القرار! قلت لصاحبي الممثل: انشَ قضية الاعتزال، ولو مؤقتاً، وحدثني عن النجاح. ما هو النجاح الذي تسعى اليه؟ بدا حائرا نتيجة السؤال: فالنجاح هو النجاح ولا يختلف على هذا اثنان. لكن الحقيقة انه لا يتفق على النجاح اثنان. فيلم (المومياء) فشل فشلا ذريعا عندما عرض لأول مرة. وقيل انه فيلم مهرجان، ومع ذلك لم يحصل على جوائز عالمية تليق به. وكان من المحتمل ان يحصل على جائزة في مهرجان (كان) ولكن لجنة المهرجانات ارسلته الى مهرجان (موسكو) حيث لا اهتمام بمثل هذ الفيلم، وارسلت فيلم (الأرض) الى مهرجان (كان) حيث لا يهتمون بقضية الأرض، فلم يحقق أي من الفيلمين النجاح العالمي المرجو. ورغم فشل فيلم (المومياء) الجماهيري وفشله النسبي في الجوائز، الا انه يعتبر واحدا من أهم الأفلام في العالم. ومازال الحديث يدور عنه. ومازالت الدراسات تتوالى حوله. وكان جورج سادول الناقد الفرنسي الكبير قد أدخل فيلم (العزيمة) في أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما. واعتقد ان فيلم (المومياء) أفضل، أما فيلم (الأرض) فأنا اعتقد انه افضل فيلم عربي. هل شباك التذاكر هو الحكم في النجاح؟ تدور الآن ضجة حول فيلم اسمه (الليمبي) وتؤكد انه اسوأ فيلم ظهر على الشاشة ومع ذلك حقق ايرادات لم يسبق لفيلم عربي ان حققه. ثم قد تطيح الظروف بشباك التذاكر. حرب 56 اطاحت بأحد أفلام عبدالحليم حافظ، واغتيال السادات واغلاق دور السينما حدادا أطاح بأحد أفلام أحمد زكي. ولقد حكي لي انه لو عرض الفيلم في جو طبيعي لنجح، ولوفر عليه عناء بضع سنين. ثم اصبحت الآن توجد ألاعيب غير مفهومة. كان لي صديق من خارج الوسط الفني محبا للفن، ولذلك كان يسألني رأيي في هذا الفيلم أو ذاك، فاعتذر له بأنني لم أشاهده. فأنا لا أشاهد الأفلام العربية إلا في المهرجانات وفي العروض الخاصة التي ادعى لها، وفي غالب الأمر لا استجيب لأسباب كثيرة. واتهمني صديقي انني غير مواكب للحركة السينمائية واتفقنا على ان نشاهد الافلام سويا. وكان يعرض آنئذ فيلم كوميدي شهير. وقال انه سيرسل شخصا من مكتبه ليحجز لنا قبلها بثلاثة أيام حتى يجد لنا أماكن مناسبة. وذهبت الى السينما فلم نجد أحدا! أو على الأصح وجدنا خمسة أشخاص أو ستة أذكر منهم واحدا كان نائما ويشخر ويبدو انه لم يكن له مكان ينام فيه. واثنان شاب وشابة يناقشان اثناء عرض الفيلم مشاكل (الجهاز) بعد اختلاف وجهات النظر وتدخل الأب والأم والحما والحماة والأقارب. ولقد سمعنا القصة كاملة. وكدنا نتدخل لحل المشكلة.خرجنا تساءلنا كيف تكون السينما خالية، والفيلم في قمة النجاح؟! انها معادلات غير مفهومة. قلت لصاحبي الممثل: ما رأيك ان نكتفي باحساسك بالرضا عن عملك، واترك الباقي. فأنت لا تستطيع ان تحصل على كل شيء. لكنه لم يقتنع، وبالتأكيد لن يعتزل!