كيف نصف انسحاب الحكومة السودانية من مفاوضات ماشاكوس: هل هو مبرر ام غير مبرر؟ التبرير الرسمي الذي اعلنته الحكومة يستند الى ان الطرف التفاوضي الآخر ـ «الجيش الشعبي لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق ـ استأنف النشاط القتالي بضراوة تصعيدية مما ينعكس سلباً على عملية التفاوض السلمي ويفسد مناخها فهل هذا سبب ام ذريعة؟ اولاً.. رغم ان قيادة قرنق اعلنت ان جيش الحكومة هو البادئ بالقتال الا ان الوقائع المباشرة وغير المباشرة تفيد عكس ذلك فالمعركة وقعت على ارض مدينة جنوبية خاضعة للسيطرة الحكومية بما يعني ان قوات التمرد هي الطرف المهاجم لا المدافع، والا كيف اقتحمت المدينة واحتلتها مما اضطر القوات الحكومية الى الانسحاب. والحركة فيما يبدو كانت على اي حال تضمر نية استئناف العمل العسكري في وقت ما، والدليل على ذلك انها رفضت بعناد اقتراحا من الحكومة بأن يتضمن اتفاق الاطار الذي عقد بين الطرفين في 20 يوليو بندا لوقف اطلاق النار خلال العملية التفاوضية اللاحقة. هنا يصبح السؤال الذي يجب ان يطرح هو: لماذا لجأت حركة قرنق الى استئناف القتال على نحو فجائي بينما وفدا الطرفين منهمكان في التفاوض في ضاحية ماشاكوس الكينية بمشاركة وسطاء أفارقة وأوروبيين؟ رغم شح الاخبار عن مسار العملية التفاوضية لمدى ثلاثة اسابيع منذ ان بدأت في 12 اغسطس الا ان ما يمكن استنباطه من تسريبات منشورة هو ان العملية التفاوضية بلغت طريقاً مسدوداً. لقد كان متوقعاً اصلاً ـ حتى لدى طرفي التفاوض ـ ان هذه الجولة التفاوضية الثانية ستكون صعبة جداً لما يتضمنه جدول اعمالها من قضايا مستعصية بشأن مستقبل العلاقة بين جنوب السودان وشماله مثل اقتسام الثروة والسلطة والترتيبات الأمنية وتوجه السياسة الخارجية ومدى سلطة الحكم الذاتي في الجنوب لكن هذه الصعوبة تضاعفت من الوهلة الاولى للتفاوض عندما طرح وفد قرنق مطالبة بضم منطقتي جبال النوبة والانقسنا الى جنوب السودان مما ينقل الخط الحدودي للجنوب الى داخل الرقعة الجغرافية للشمال. ويبدو انه باصرار وفد الحركة على هذا المطلب واصرار الوفد الحكومي على رفضه وصلت العملية التفاوضية الى الطريق المسدود. بوصول المسار التفاوضي الى طريق مسدود يبدو ان جون قرنق رأى انه آن الاوان لاستئناف العمل العسكري في الجنوب بقوة كوسيلة لزحزحة الطرف التفاوضي الحكومي عن موقفه المعارض لاعادة النظر في الحدود الرسمية لجنوب السودان ومن هنا كانت العملية العسكرية التي ادت الى الاستيلاء على مدينة توريت الاستراتيجية وما نتج عن ذلك من انسحاب الوفد الحكومي من المفاوضات واستنفار القوات المسلحة. لكن يبدو مع ذلك ان الامر اعمق مما يدل عليه ظاهره هذا مما يستشف من تصريحات ادلى بها د. مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية السودانية في القاهرة بعد قرار الانسحاب من المفاوضات مباشرة. فبعد ان قال الوزير ان حركة قرنق تريد فرض شروطها على الارض من خلال العمل العسكري فانها تطالب باشراك دول الجوار جميعاً «دون استثناء». ومع تشديده على عبارة «دون استثناء» هذه فإنه خص بالذكر مصر. فماذا يعني الوزير؟ انه يعني فيما يبدو توجها جديداً تماما للحكومة السودانية بشأن مستقبل العملية التفاوضية مع حركة التمرد بمعنى «تحريرها» من اطار منظمة «ايغاد» الافريقية كوسيط مما يتيح دخول وسطاء آخرين من دول الجوار وكون ان الوزير ذكر مصر بالاسم فإن عبارة «دول الجوار» ينبغي الا تشير الا الى مصر ولنعد الى الاذهان ان تصريح الوزير السوداني صدر عقب اجتماعه مباشرة مع نظيره المصري احمد ماهر. لماذا هذا التغيير.. اذا صح الاستنتاج؟ ربما ـ او غالباً ـ لان الحكومة السودانية ادركت من خلال المسار التفاوضي ان مجموعة الوسطاء التي تتكون من دول افريقية تمثل منظمة «ايغاد» ومعها الولايات المتحدة بالاضافة الى بريطانيا والنرويج ليست محايدة تماماً بممارستها ضغوطاً على الطرف التفاوضي الحكومي اكثر مما تضغط على الطرف الآخر. في كل الاحوال فإنه حتى لو استؤنفت العملية التفاوضية فإن الامور لن تعود كما كانت عليه.