لمع مؤخرا بين مجموعة مستشاري الرئيس بوش اسم سيدة يعرفها أهل صنعة الترويج والتسويق والاعلان حق المعرفة منذ أحداث سبتمبر من العام الماضي.. حفلت الأدبيات السياسية الأميركية، بطروحات ومقولات شتى تحاول تفسير مغزى ودوافع تلك المأساة.. وتنوعت المقولات بين تساؤل ردده الأميركيون مستفسرين: لماذا يكرهوننا؟ وكان تساؤلا أملته وطأة الأحداث قبل أن يصدر عن تحليل عقلاني لها.. وشملت أيضا اجابات من قبيل: انهم لا يعرفون ما يكفي عنا الى أن تبلورت المسألة في شعار ما زال مطروحا في أوساط صنع القرار في واشنطن وهو: ضرورة أن نكسب قلوب وعقول الآخرينس. المصلحة هي الأساس ولأن أميركا - البلد والمجتمع والسياسة والمدركات تصدر عن فكر رأسمالي محترف وتستند الى منطق إن كل علاقة هي في التحليل الأخير مصلحة تبادلية وإن كل شئ له ثمنه وأن ليس هناك وجبة غذائية مجانية كما يقول المثل الدارج في ثقافتهم - لهذا كله كان بديهيا أن يستخدموا مصطلح سكشف العقول والقلوب بعيدا عن سالاستمالةس أو سالاجتذابس وما في حكمهما من المصطلحات التي قد تحفها ظلال المودة أو المحبة دع عنك التضحية أو الايثار.. المسألة ببساطة هي علاقة بيع وشراء بين طرف يبيع وطرف يشتري.. أما السلعة المطروحة في السوق فهي، ببساطة أيضا، صورة أميركا التي تهيأ الأميركان لبيعها قاصدين الى أن تشتريها شعوب المشارق والمغارب في العالم ومتلهفين من ثم على أن يكون العائد هو تأمين أميركا من جهة وتحقيق وتعظيم مصالحها الاستراتيجية الحيوية من جهة أخرى. ولأن المسألة - كما ألمحنا - هي بيع وشراء فالمطلوب بداهة هو بدء الترويج للسلعة المطروحة في السوق.. بمعنى تحلية أو تزويق السلطة وترغيب الزبون المستهدف - جماهير العالم وشعوب العصر - كي يقبل على اقتنائها. والترويج هو أول أبجديات البيع في الأسواق لا فرق في ذلك بين صيحات الباعة الجائلين في أسواق القرى والبوادي وبين أرقى وأدق تصاميم الاعلانات المتوسلة بآخر مستحدثات النيون أو الأشعة وغيرها من سبل الايهام التي طورتها عاصمة الخيال الجميل في هوليوود. هنالك دعت الحاجة الى أن يضم الفريق السياسي المحيط بالرئيس الأميركي بوش عنصرا متخصصا في فن الاعلان. صقور وحمائم وبائعون وفيما تضم إدارة بوش - كما تعلم - اسرابا من صقور الحرب والسلاح وبضعة أفراد من حمائم السياسة والتفاوض فقد لمع مؤخرا بين مجموعة مستشاري الرئيس الأميركي اسم سيدة يعرفها أهل صنعة الترويج والتسويق والاعلان حق المعرفة اسمها شارلوت بيرس وهي تشغل الآن وظيفة مرموقة بالغة التأثير على مسار السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة - السيدة بيرس هي وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشئون الدبلوماسية الاعلامية (حرفيا الدبلوماسية العامة بمعنى الشعبية أو الدعائية). انتقلت شارلوت بيرس من ماديسون أفنيو في نيويورك الى مبنى الخارجية الأميركية في واشنطن. حكاية شارع ماديسون وبالمناسبة.. فاسم ماديسون أفنيو - أو شارع ماديسون الكبير يستدعي الى الخاطر فورا أكبر دوائر الاعلان ومكاتب الدعاية والترويج التي يقوم عليها الاقتصاد الأميركي سواء على صعيد الداخل أو في خارج الحدود، تماما كما قد نقول فليت ستريت - دوائر الصحافة في لندن أو شارع الصحافة المتفرع من شارع الجلاء وما حوله من وسط القاهرة حيث تقوم الدور الصحفية الثلاث الكبرى - الأهرام وأخبار اليوم ثم دار التحرير. وفيما يكتسب الشارع الأول (فيرست أفنيو) في مانهاتن - بنيويورك طابعا رسميا أقرب الى الرصانة إن لم تكن الجهامة بحكم احتوائه على مبنى الأمم المتحدة، وفيما يعد لكسنغتون أفنيو شارع الفنادق بحكم احتوائه على فندق والدورف استوريا التاريخي المفضل لنزول الملوك والرؤساء.. وفيما اكتسب بارك أفنيو المجاور لهما شهرته من واقع اختياره سكنى لنجوم المجتمع النيويوركي (جاكلين كيندي مثلا) أو لطائفة من أصحاب البلايين (ولن نذكر أسماء فمنهم طائفة من أبناء اليعاربة الميامين) وفيما ذاعت شهرة الشارع الخامس بوصفه شانزليزيه مانهاتن حيث تتلألأ الأضواء وتعرض الواجهات أحدث موضات العصر في دنيا الأزياء والالكترونيات وأدوات التجميل، فإن أضواء ماديسون أفنيو أشد خفوتا وأقل ذيوعا وتلك من مفارقات الحياة الأميركية لأنه الشارع الذي يضم أهم مكاتب ودور الاعلان والدعاية واستشارات الترويج وبحوث التسويق.. يستوي في ذلك بيع الأفكار وتسويق المدركات وترويج المفاهيم وكلها.. كلها لخدمة تجميل صورة أميركا واساغتها وتعبئتها في كبسولات لزوم اقناع أو إغراء الشعوب الأخرى وجذبها الى أضواء الحلم الأميركي الذي كان أو الى مفردات حرب أميركا ضد الارهاب وهو الشعار الذي تسهر على تكريسه وتعميقه - بكل ما يحتويه من مخاطر الدمار واحتمالات الصراع مجاميع الصقور المتربصة في أروقة الكونغرس وفي ابهاء البيت الأبيض وفي ترسانات البنتاغون وفي مكاتب وزارة الحرب ووزارة العدل(!) على السواء. ملكة العلاقات العامة وعندما تولت سيدة الدعاية والاعلان شارلوت بيرس منصبها الرفيع في خارجية واشنطن كانت تحمل لقبا يفهمه أهل الصنعة ويعكس في الوقت ذاته نوعية المآثر التي تتصف بها وهو حرفيا «ملكة العلامة التجارية» بمعنى أستاذة فن التوصيف والتصنيف والتوسيم وهي عندنا كاهنة العلاقات العامة القادرة كما يدل اللقب الحرفي على أن تخلع على هذه السلعة وصفا يرفعها الى عنان السماء من حيث الرواج فيما تستطيع الكاهنة المحنكة أن تسبغ على سلعة أخرى أوصافا تهبط بها الى الدرك الأسفل من حيث الكساد أو الركود أو البوار.. حيث مفهوم السلعة هنا لا يميز بين سلعة مادية مثل ماركات السيارات أو أنواع الصابون وبين سلع غير مادية قد تبدأ بالنظريات والأفكار ولكن لا تنتهي بسلعة أصبحت مطلوبة حاليا في سوق ما بعد 11 سبتمبر وهي «صورة أميركا خلف الحدود أو فيما وراء البحار». جاءت السيدة بيرس من رئاسة مجلس الادارة في أكبر وأهم مؤسسات الاعلان التجاري في العالم وهي وكالة والتر تومسون للاعلان. 520 مليون دولار وحين تولت منصبها وكيلا لوزارة الخارجية لم يكذب الكونغرس خبرا وإنما بادر الى اعتماد سخي وضعه تحت تصرف سيدة الاعلان الأولى بمبلغ 520 مليون دولار.. وذكرت مبررات هذا الاعتماد الطائل ما يلي: - انه مبلغ مرصود من أجل التركيز على السكان - الشعوب المتبرمة أو الحانقة وخاصة في الشرق الأوسط وجنوبي آسيا. ولعل هذه المبررات استندت - كما تقول الكاتبة الأميركية فكتوريا دي جراسيا الى شهادة بيرس أمام لجنة الاعتمادات بالكونغرس وقالت فيها: - إن سوء الفهم الذي تواجهه أميركا شأنه أن يفضي الى القلق وزعزعة الاستقرار وتلك مشاعر أثبتت التجارب أنها تشكل خطرا يتهدد أمننا القومي والدولي على السواء. بعدها انطلقت وكيلة الخارجية لشئون الاعلام الى وضع التصاميم التي تكفل شن أكبر حملة علاقات عامة في تاريخ السياسة الخارجية على نحو ما وصفته الكاتبة فكتوريا دي جراسيا (الهيرالد تريبيون، عدد 26 اغسطس 2002: لم يكن غريبا أن تبدأ الحملة - أسوة بأي حملة بروباجاندا اعلانية باجراء بحوث السوق (دراسة جمهور الزبائن المستهدف في الشرق الأوسط وجنوب آسيا) ومن ثم بتشكيل ما وصفته الحملة بأنها الجماعات المحورية حيث كان الهدف المرسوم مزدوجا من شقين: (1) الأول يقضي بالتواصل مع الشباب المسلم الذي تساوره مشاعر غضب ساخط إزاء الولايات المتحدة. (2) الثاني وضع صانعي السياسة الأميركان في صورة ما يستجد بوتيرة متسارعة من متغيرات في مجال الرأي العام العالمي. - كيف يتم ذلك على مستوى التنفيذ؟ - يتم من خلال تنفيذ مشاريع اعلانية ودعائية شتى منها مثلا انتاج أشرطة فيديو للبث المتلفز تتناول سيرة ونشاط ونجاحات مسلمي أميركا بالذات.. ومنهم من شق طريقه في مواقع مختلفة من السلّم الاجتماعي بالولايات المتحدة بوصفهم فنانين أو لاعبي كرة أو مدرسين أو أكاديميين أو حتى متطوعين في اطفائيات مكافحة الحريق (والفئة الأخيرة أصبحت تنعم بهالات وشارات البطولة وخاصة بعد حوادث سبتمبر 2001). محطة فضائية جديدة ويتم هذا المخطط الدعائي أيضا من خلال برامج ومنشورات تهدف الى تصوير أميركا على أنها مجتمع مفتوح أمام كل باحث عن فرصة جديدة سانحة.. مجتمع يسوده التفاهم والتسامح وفي هذا السياق تكاد جهود الحملة الدعائية تتركز حاليا على انطلاقة قناة أميركية فضائية متخصصة في الأخبار وناطقة باللغة العربية وتعمل على مدار ساعات اليوم الأربع والعشرين كي تحمل الى العالم العربي رأي أميركا وترسم صورة ايجابية لها في أعين الناطقين بلغة قحطان. في هذا الصدد أيضا يلاحظ المراقبون والمتخصصون - ربما بشيء من القلق المهني كما نتصور - كيف أن هذه الجهود الأميركية تميل أكثر الى ناحية الاعلان قبل الاعلام.. بمعنى أنها تجنح الى المزيد من التسويق التجاري قبل التثقيف الاخباري أو التوعية المعلوماتية. وهم ينتقدون هذه اللمسات التجارية التي يرون أنها سوف تشوب الرسالة التي سيجري بثها تحت اشراف أساتذة الاعلان سابقا ووكيلة الخارجية الأميركية لاحقا وراهنا - وإن كان هذا الانتقاد لا يصدر عن أسباب أو دواع أخلاقية فالمسألة احتراف مهني قبل كل شئ.. ولكنه يصدر عن تخوف نرى أنه في محله - من أن تكشف الشعوب المستهدفة - زبائن الحملة من العرب كيف أنهم مجرد زبائن لاعلان ترويجي أو تنشيطي وكيف أن المسألة ليست خدمة أخبار ولا عملية تواصل اعلامي بقدر ما أنها ببساطة عملية بيع وشراء مما يؤدي الى رفض الرسالة المطلوب توصيلها واجهاض التأثير المستهدف اداؤه ومن ثم احباط المسائل من أولها الى آخرها.. وساعتها تذهب الملايين الـ 520 أدراج رياح التبدد والتشتت والعقم والاهدار. إن الناس يحسون بالخداع إذا ما شعروا أنهم هدف للاعلان، يشعرون أنهم تحولوا من جمهور للمتابعة الى مجرد زبون مستهدف للتسويق والترويج والتربح. وربما أدرك السابقون في هذا المضمار ضرورة أن تظل الدعاية مستترة وأن يساق الاعلان بصورة غير مباشرة. من الرومان الى فكتوريا يمتد هذا الأمر الى تاريخ قديم حيث كان الرومان ينشدون الدعاية الى حكامهم أيام الامبراطورية الرومانية.. ومن ثم شملت حملات البروباجاندا أرجاء الامبراطورية، إذ امتدت - كما يقال - من بلاد جالة (فرنسا) الى جبال الجليل في فلسطين - الشام.. وكل ما فعله الرومان هو أن نقشوا صورة الامبراطور الروماني على وجوه العملات النقدية التي تداولتها شعوب الامبراطورية، وكفى.. ربما يرادف هذا ما قضت به أعراف الامبراطورية الاسلامية من جعل الدعاء للحاكم - خليفة أو ملكا أو أميرا - من فوق منبر خطبة الجمعة واحدا من اشارات الحكم وعلامات الشوكة اذا ما استخدمنا التعبير الأثير في الفكر الخلدوني. وفي العصر الحديث أرادت الامبراطورية البريطانية أن تنشر دعواها تحت شعار السلام البريطاني سباكس بريتانيكاس فعمدت الى اصطناع كؤوس وأقداح وتصاوير مجسمة طبعت على صفحاتها صورة الملكة العتيدة فكتوريا ثم قامت بنشرها بين رعايا العصر الفيكتوري في ذكرى الاحتفال - عام 1894 - بالعيد الماسي لمولد الملكة فكتوريا الكسندرينا التي تولت عرش الامبراطورية الانجليزية التي لم تكن تغرب الشمس عن ممتلكاتها حتى قرب منتصف القرن العشرين. بوش الوالد والابن ربما ورثت أميركا هذا التراث وأضافت عليه من واقع مجتمعها المنظم صناعيا وكان أن أنتجت العقلية البرغماتية الأميركية خليطا مزج بين مهارة البيع مع حنكة السياسة وجعل البائع أستاذا في سياسة التفاوض لتسويق السلعة فيما جعل السياسي متخصصا في فنون البيع بالنسبة للمعاهدات أو الاتفاقات أو التحالفات. تأمل مثلا موهبة بائع ماهر حاذق اسمه جيمس بيكر كان وزيرا لخارجية الرئيس بوش - الأب من حيث نجاح بيكر بدأب وبراعة في بناء وتطوير ما وصف بأنه تحالف دولي لتحرير الكويت في مفتتح التسعينيات.. تأمل أيضا على سبيل المقارنة فشل ادارة الرئيس بوش الابن في بناء أي تحالف في هذا المضمار بصرف النظر عن وجاهة أو عدم وجاهة الحملة التي يقال أنها مرتقبة ضد نظام بغداد.. فلا وزير خارجية واشنطن الحالي مقتنع فيما يبدو بهذه المسألة - البائع إذن غير مقتنع بالبضاعة المطلوب منه ترويجها، ولا الباعة الآخرون موهوبون في هذا الفن الأمر الذي أوصلهم الى التلويح بحكاية الانفراد بالحملة والتعويل على أن ثمة تأييدا قد يأتي في وقت لاحق الأمر الذي أفسد على واشنطن خطتها المرسومة والمرتجأة في أن تكسب عقول وأفئدة شعوب العالم وقد سبق لها أن جعلت من جو سميث نموذجا يحتذى في أعين هذه الشعوب. جو سميث.. من هو.. وماذا حقق من نجاح؟ وأي نجاح يمكن أن ينتظر الحملة الدبلوماسية الاعلامية الراهنة التي تقودها شارلوت بيرس.. حكيمة الاعلان في شارع ماديسون سابقا ووكيلة الخارجية في العاصمة واشنطن حاليا.؟ الى الجزء المتمم لهذا الحديث بإذن الله.. ـ كاتب سياسي من مصر